اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تتزايد المخاوف في العواصم الآسيوية من أن يؤدي انشغال الولايات المتحدة بحربها مع إيران واستنزاف مخزوناتها من الأسلحة الحيوية إلى إضعاف قدرتها على ردع الصين، في وقت ترفع بكين مستوى الضغط العسكري على حلفاء واشنطن وتختبر حدود النفوذ الأميركي في واحدة من أخطر ساحات التنافس الدولي.

ووفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن المواجهة الأخيرة بين الصين والفلبين في بحر الصين الجنوبي لم تعد مجرد حلقة جديدة في نزاع بحري مزمن، بل تحولت إلى اختبار أوسع لمدى قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها الأمنية في آسيا، بينما تستنزف الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران جزءًا كبيرًا من اهتمامها ومواردها العسكرية.

 أخطر مواجهة منذ سنوات

وتجلت حدة التوتر قرب منطقة "سكند توماس شول" المتنازع عليها، حيث تتمسك الفلبين بسيادتها على الشعاب المرجانية، وتعزز وجودها فيها عبر قوات تتمركز على متن السفينة العسكرية "سييرا مادري"، التي تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية وجرى إيقافها عمدًا هناك عام 1999 لتثبيت الوجود الفلبيني.

وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن حكمًا أصدرته هيئة تحكيم دولية قبل نحو عقد يدعم موقف مانيلا في النزاع، لكن بكين تواصل ممارسة ضغوطها الميدانية في المنطقة.

وفي الشهر الماضي، بدأت سفينة تابعة لخفر السواحل الصيني بالدوران حول "سييرا مادري"، قبل أن تتصاعد المواجهة عندما استخدمت القوات الصينية قوارب صغيرة للاقتراب من عسكريين فلبينيين.

وبحسب مسؤولين أميركيين وفلبينيين نقلت عنهم الصحيفة، تعرض أحد العسكريين الفلبينيين للضرب بعصا خشبية وأصيب في رأسه، في واحدة من أسوأ المواجهات بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة، فيما حملت الصين الفلبين مسؤولية التصعيد واتهمتها باستفزاز قواتها.

وأثارت الحادثة غضب واشنطن، إذ أعلن السفير الأمريكي دعم بلاده للفلبين، أقدم حلفائها المرتبطين معها بمعاهدة دفاع مشترك في جنوب شرق آسيا.

 حرب إيران تدخل حسابات شرق آسيا

لكن خلف رسائل التضامن الأميركية، ترصد دول المنطقة مشكلة أكبر، وفق الصحيفة، تتمثل في التساؤل حول حجم القوة التي تستطيع الولايات المتحدة تخصيصها فعليًا لردع الصين إذا اندلعت أزمة عسكرية واسعة في آسيا.

وتشير "نيويورك تايمز" إلى أن الحرب ضد إيران فرضت ضغطًا متزايدًا على الموارد العسكرية الأميركية، ولا سيما مخزون صواريخ اعتراض الدفاع الجوي التي تعد من الأسلحة الحيوية لأي مواجهة محتملة.

كما دفعت الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة القوات الأمريكية إلى مغادرة قواعد في الشرق الأوسط بعدما تعرضت مواقع عسكرية للتدمير، وهو تطور ترى الصحيفة أنه يطرح تساؤلات أكثر خطورة بشأن سيناريو مواجهة الصين، التي تمتلك قدرات عسكرية تفوق إيران بدرجات كبيرة.

وبهذا المعنى، لم تعد تداعيات الحرب الإيرانية محصورة بالشرق الأوسط، إذ بدأت تدخل بصورة مباشرة في حسابات الردع الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ.

 بكين تستعرض قوتها

وفي المقابل، تواصل الصين اختبار قدراتها العسكرية المتقدمة وإرسال إشارات عن جاهزيتها لمواجهة احتمالات التصعيد.

وذكرت الصحيفة أن بكين أجرت مطلع تموز اختبارًا نادرًا لإطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات قادر على حمل رأس نووي، انطلق من غواصة تعمل بالطاقة النووية باتجاه المحيط الهادئ، وكان يحمل رأسًا تجريبيًا.

ويشكل هذا النوع من الصواريخ أحد أقوى مكونات الترسانة الاستراتيجية الصينية، ويكتسب الاختبار أهمية إضافية في ظل التنافس المتصاعد مع الولايات المتحدة.

وفي الوقت الذي تستعرض فيه بكين قوتها، تتحرك إدارة ترامب لإغلاق قنصليات أميركية في اليابان وإندونيسيا، بحسب مسؤولين في الكونغرس أُطلعوا على القرار، ما أثار انتقادات داخل واشنطن بشأن الرسائل التي تبعث بها الولايات المتحدة إلى حلفائها الآسيويين.

ووصف النائب الديمقراطي غريغوري ميكس، كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، سياسة ولاية ترامب الثانية تجاه آسيا بأنها "فشل هائل" للمصالح الأميركية، معتبرًا أنها تمنح الصين مكاسب وتضر بمصداقية الولايات المتحدة وأمنها القومي.

في المقابل، يرفض مسؤولو إدارة ترامب الحديث عن تراجع أميركي في آسيا.

وقال وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون السياسات إلبريدج كولبي، خلال خطاب في مانيلا في 10 آب، إن الإدارة تستهدف الحفاظ على "الردع بالحرمان على طول سلسلة الجزر الأولى".

ويعني ذلك، عمليًا، إبقاء قدرات عسكرية أميركية كافية لإقناع الصين بأن أي محاولة لمهاجمة أو غزو مناطق استراتيجية، بما فيها تايوان وجزر تابعة للفلبين واليابان، ستواجه مقاومة تجعل تحقيق أهدافها بالغ الصعوبة.

لكن كولبي طالب حلفاء واشنطن في الوقت ذاته بزيادة إنفاقهم الدفاعي وتعزيز التكامل بين جيوشهم والقوات الأميركية، في مؤشر إلى رغبة إدارة ترامب في تحميل شركائها جزءًا أكبر من أعباء الردع.

"G2" يربك حلفاء أميركا

ولا تتوقف المخاوف الآسيوية عند الجانب العسكري، إذ تشير "نيويورك تايمز" إلى أن الحرب التجارية العالمية التي خاضها ترامب، وشملت دولًا في جنوب شرق آسيا، أظهرت لحلفاء الولايات المتحدة أن واشنطن يمكن أن تكون خصمًا تجاريًا في الوقت الذي تطلب منهم الوقوف معها أمنيًا.

وتعاني السياسة الأميركية منذ سنوات غياب رؤية اقتصادية شاملة لجنوب شرق آسيا، بعد تراجع الديمقراطيين والجمهوريين عن مشروع الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ الذي دفع به الرئيس الأسبق باراك أوباما.

وتزداد المعادلة تعقيدًا مع توجه ترامب لبناء ما يسميه علاقة "G2"، أو "مجموعة الاثنين"، مع الصين.

وبعد المواجهة التجارية بين البلدين، أظهر ترامب تقاربًا أكبر مع الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال قمتهما في بكين في أيار، فيما يستعد لاستقباله في زيارة دولة إلى واشنطن أواخر أيلول.

وترى الصحيفة أن هذا التقارب أحدث ارتباكًا في التوجه الذي نما داخل واشنطن خلال العقد الماضي، وارتكز على التعامل مع الصين باعتبارها المنافس الاستراتيجي الأبرز للولايات المتحدة.

حلفاء بين بكين وواشنطن

وتجد دول آسيوية نفسها نتيجة ذلك أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فهي تحتاج الولايات المتحدة أمنيًا لخلق توازن مع القوة العسكرية الصينية، لكنها في الوقت نفسه ترتبط ببكين بعلاقات تجارية واقتصادية يصعب الاستغناء عنها.

وقالت ميرا راب-هوبر، المسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي خلال إدارة جو بايدن والباحثة الزائرة في معهد بروكينغز، إن دول جنوب شرق آسيا لا ترغب في الوقوع داخل صراع بين قوتين عظميين، لكنها لا تزال تريد أن تشعر بأن الولايات المتحدة تمثل "ثقلًا موازنًا صحيًا" للصين.

أما الباحث السياسي الفلبيني ريتشارد هيداريان، فأشار إلى أن الوضع أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى بلاده، لأنها تحتاج الولايات المتحدة لمواجهة التهديد الصيني، بينما لا ترى دعمًا أمريكيًا بالمستوى نفسه خارج المجال العسكري.

 الفلبين توسع دائرة الحلفاء

ورغم الضغوط التي فرضتها حرب إيران، حافظت واشنطن ومانيلا على جانب مهم من تعاونهما العسكري.

وفي أيار، اختبر الجيشان الأمريكي والفلبينيان منظومة صواريخ "تايفون" على إحدى الجزر، في استعراض علني لسلاح يمكن استخدامه ضد القوات الصينية في حال اندلاع مواجهة حول تايوان.

كما دعت الفلبين اليابان للمشاركة في مناورات عسكرية متعددة الجنسيات في حزيران، في أول نشاط لقوات يابانية على الأراضي الفلبينية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتعكس هذه الخطوة استمرارًا للتحالفات التي عملت إدارة بايدن على بنائها، لكنها تكشف في الوقت ذاته محاولة فلبينية لتوسيع شبكة شركائها الأمنيين وعدم حصر خياراتها في الولايات المتحدة وحدها.

وكانت إدارة بايدن قد دفعت نحو تعزيز الشراكات الآسيوية وربط اليابان والفلبين في إطار أمني أوثق، كما حصلت واشنطن على إمكانية وصول موسعة إلى تسع قواعد عسكرية فلبينية، بعضها قريب من تايوان.

الأكثر قراءة

متى أحمد الأسير رئيساً للحكومة؟!