
من سيكولوجيا التحكّم الى تفكيك حدود الميكانيك
هندسة المحرّكات وكسر الأنماط الجاهزة
زرع ثقافة الإستقلال وصناعة الوعي
الميكانيك منظومة ذكاء تقني وخبرة تراكميّة
لم تعد المرأة مجرد عابرة في فضاءات احتكرتها الذكورية البنيوية طويلاً، بل باتت تعيد ترسيم حدود تلك الفضاءات وتفكيك شفراتها السيادية. ويمثل اقتحامها حقل «تعليم قيادة السيارات»، نموذجاً حياً لتقويض احتكار تاريخي، طالما ربط الأهلية والتحكّم والقدرة التقنية بالرجل وحده، وصنّفه كملقّن حتمي للمهارة.
ويكشف الاستقصاء الميداني لـ«الديار» في مكاتب تدريب القيادة، عن تحوّل يتجاوز المهنة نفسها: نساء يدرن مؤسسات، ويحملن رخصا مهنية، ويمارسن التعليم بثقة وكفاءة. إنها ليست تسيير مركبة فحسب، بل إعادة تعريف لمن يملك حق التنقّل المهني.
وفي ظل واقع معيشي مثقل بالأزمات، يصبح هذا الحضور أكثر من مصدر رزق، إنه كسر هادئ للصورة النمطية، وإثبات بأن الجدارة لا جنس لها، وأن بعض الحواجز تسقط حين تثبت المرأة أنها لم تكن بحاجة إليها أصلا.
نسف السيادة الاحتكارية
ومن هذا المنعطف، تتجاوز هبة حسين ابنة جبل محسن، في ممارستها العملية حدود التلقين الإجرائي، إلى مأسسة الوعي المروري، إذ جعلت من تمكين المرأة ركيزة بنيوية لعملها، دون السقوط في فخ الإقصاء الجندري، فالرجل يلقى لديها ذات الاحترافية الواثقة.
تترجم هبة عقداً من التمترس في هذا الحقل بقولها لـ «الديار»: «عشر سنوات واجهتُ خلالها عبء الضغوط المعيشية والإنهاك التراكمي، لكن الشغف بالمهنة كان خط دفاعي الأول ضد التراجع».
من جهة ثانية، تكتسب هذه التجربة عمقها الراديكالي من جغرافيتها، فالتحول الذي يُقرأ عادةً كرفاهية عاصمية، يتجذر هنا في طرابلس، حيث تُعيد هبة صياغة مهنة السياقة كأداة سيكولوجية، لترميم ثقة المرأة بذاتها، وليس مجرد براعة حركية.
وتضيف: «طموحي يتجاوز تعليم المناورة بالمركبة، أهدف إلى زرع ثقافة الاستقلال وصناعة الوعي بالذات لدى نساء طرابلس».
ميكانيك السيارات وصيانتها
من هنا، لم تكن مسيرة هبة حالةً معزولة، إذ تتقاطع مع المساعي التطبيقية لآية وزينب وغيرهما ممن تحدّثت «الديار» اليهن، في دلالة على حتميّة التحول المؤسسي الذي يؤسس لظاهرة اجتماعية تفرض قاموسا جديدا، لفهم حضور المرأة في سوق العمل.
وفي مجتمع لبناني متعدّد ومنفتح، تكتسب هذه الممارسة مشروعيتها ما دامت محكومة بالمعايير المهنية والأخلاقية. ومن هنا يبرز التساؤل السوسيولوجي: ما الذي يبرّر الارتياب من امرأة تنقل مهارتها إلى امرأة أخرى أو إلى شاب؟ أليست المعرفة في جوهرها قيمة عابرة للجنس، والانتاجية تُبنى بالخبرة والمران، لا بهوية صاحبها؟
ولا تقتصر هذه الديناميكية على كبائن القيادة، إذ تنقل الشابة لمى «اسم مستعار» لـ «الديار» تجربتها الواقعية قائلة: «آثرتُ التخصص في ميكانيك السيارات وصيانتها، غير آبهة بآثار الشحم والزيت التي تتماهى مع ملامحي، أثناء استبدال الإطارات وتفكيك المحركات. وينعتق خياري المهني هذا تماماً من الأنماط الجاهزة».
وتشير الى ان «الميكانيك في منظوري ليس مجرد مجهود عضلي خشن، بل منظومة ذكاء تقني، ودقة حاسمة، وخبرة تراكمية متطورة. وما يراه الوعي الجمعي السائد مهنة «اغترابية» عن طبيعتي كامرأة، أثبتُّ أمام برهان الممارسة أنه عمل موضوعي خالص، معيار الأهلية فيه هو الإتقان ولا شيء سواه».










29 ثانية قراءة/file/attachments/2389/1_636856.jpg)
/file/attachments/2388/753223_561216.jpg)
/file/attachments/2387/195685.jpg)
/file/attachments/2386/f04-02-12-08-2026_723093.jpg)
/file/attachments/2386/f04-03-12-08-2026_183800.jpg)



