27 ثانية قراءة
27 ثانية قراءةكشفت الحرب الإيرانية عن معادلة جديدة في الحروب الحديثة، تتمثل في صعوبة الاستمرار باستخدام صواريخ دفاع جوي متطورة، تصل تكلفتها إلى ملايين الدولارات، لاعتراض طائرات مسيّرة هجومية أرخص بكثير.
ودفعت هذه المعادلة الجيوش وشركات الصناعات الدفاعية إلى تسريع تطوير جيل جديد من الطائرات والصواريخ الاعتراضية منخفضة التكلفة، بهدف مواجهة أسراب المسيّرات بأعداد كبيرة من دون استنزاف مخزونات الأسلحة المتطورة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، اكتسب هذا التوجه زخماً كبيراً خلال الحرب في أوكرانيا، قبل أن تعززه الحرب الإيرانية، مع تكثيف شركات الدفاع الأميركية جهودها لزيادة إنتاج أنظمة اعتراض رخيصة يمكن تصنيعها بأعداد ضخمة.
في مقدمة هذه الأنظمة يأتي "غارديان"، الذي طورته شركة "باوروس" الأميركية الناشئة ومقرها فلوريدا، بالاعتماد على تقنيات أوكرانية أثبتت فعاليتها في مواجهة الطائرات المسيّرة من طراز "شاهد" المصممة في إيران والمستخدمة على نطاق واسع في الحرب الروسية الأوكرانية.
وتبلغ تكلفة نظام "غارديان" نحو 5000 دولار فقط، وفق "نيويورك تايمز"، وهو فارق هائل مقارنة بصواريخ الدفاع الجوي التقليدية.
ولا يمثل النظام بديلاً عن المنظومات المتقدمة مثل صواريخ PAC-3؛ إذ إنه مصمم أساساً لاعتراض الطائرات المسيّرة، ولا يستطيع التعامل مع الصواريخ الباليستية. لكن الهدف هو بناء دفاع جوي متعدد الطبقات: أسلحة منخفضة التكلفة لمواجهة المسيّرات الرخيصة، وأنظمة أكثر تطوراً للتعامل مع الصواريخ الباليستية والتهديدات الجوية عالية المستوى.
وتزداد أهمية هذا النهج مع تحول الهجمات بالمسيّرات من عمليات محدودة إلى موجات وأسراب كبيرة، تهدف جزئياً إلى إغراق الدفاعات الجوية واستنزاف مخزوناتها من الصواريخ.
تكشف أرقام تكلفة أنظمة الاعتراض عن حجم التحول الذي تشهده صناعة الدفاع.
ويبلغ سعر نظام "غارديان" نحو 5000 دولار، وهو قريب من السعر الأساسي للطائرة الاعتراضية "بانديت" التي تطورها شركة "نيروس" الأمريكية الناشئة.
في المقابل، تقدر تكلفة الطائرة الاعتراضية "كايوت" التي تنتجها شركة "رايثيون" بنحو 126500 دولار، بينما قد تصل تكلفة صاروخ PAC-3 إلى نحو 4 ملايين دولار.
وتخطط "لوكهيد مارتن" بدورها لإنتاج صاروخ اعتراضي منخفض التكلفة في أوروبا، بتكلفة متوقعة تبلغ نحو مليوني دولار، أي ما يقارب نصف تكلفة PAC-3.
وتعكس هذه الفجوة مشكلة استراتيجية بالنسبة للجيوش: قد يكون إطلاق صاروخ بملايين الدولارات ضد مسيّرة رخيصة مبرراً عند حماية مدينة أو منشأة حيوية، لكن تكرار ذلك مئات أو آلاف المرات يمكن أن يؤدي إلى استنزاف سريع للذخائر مرتفعة التكلفة.
وهنا تصبح الطائرات المسيّرة سلاحاً اقتصادياً بقدر ما هي سلاح عسكري، إذ لا يحتاج المهاجم بالضرورة إلى اختراق الدفاعات الجوية لتحقيق هدفه؛ يكفي أحياناً إجبار المدافع على استخدام ذخائر باهظة بصورة متكررة.
لا تتعلق المعادلة الجديدة بسعر السلاح فقط، وإنما بقدرة الشركات على إنتاجه بسرعة.
وتنتج شركة "باوروس" حالياً نحو 3000 طائرة اعتراضية شهرياً، وتستهدف رفع قدرتها الإنتاجية إلى 15000 وحدة شهرياً بحلول منتصف عام 2027.
وصُمم "غارديان" ليكون بسيطاً نسبياً في التصنيع والتجميع، مع الاعتماد على مكونات إلكترونية ورقائق ووحدات GPS متاحة تجارياً، بما يسمح بتوسيع الإنتاج بوتيرة أسرع من الأسلحة التقليدية المعقدة.
كما دخلت الشركة في شراكة مع شركة دفاعية قرب مدينة مومباي لتصنيع الطائرات الاعتراضية في الهند، في مؤشر على اتساع هذا الاتجاه خارج الولايات المتحدة.
ويمثل هذا النموذج تحولاً عن صناعة الأسلحة التقليدية، التي تعتمد غالباً على أنظمة معقدة تستغرق سنوات في التطوير وتنتجها مجموعة محدودة من المنشآت المتخصصة.
لم تعد المنافسة مقتصرة على الشركات الناشئة؛ فقد أعلنت "لوكهيد مارتن" في يوليو خططاً لتطوير صاروخ اعتراضي منخفض التكلفة في أوروبا بالتعاون مع شركاء أوروبيين، على أن تصل تكلفته المتوقعة إلى نحو مليوني دولار، مع بدء الاختبارات في عام 2028.
أمّا "رايثيون"، فتقدم بالفعل نظام "كايوت" لاعتراض المسيّرات، فيما تعمل شركة "نيروس" على تطوير "بانديت"، الذي يبدأ سعره من نحو 5000 دولار.
ويكشف هذا النطاق الواسع من الأسعار عن نشوء سوق دفاعية جديدة تقع بين عالم الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة وأنظمة الدفاع الصاروخي الباهظة.
أثبتت الحرب في أوكرانيا أن المسيّرات الرخيصة يمكن أن تغير طبيعة المعارك، بينما أظهرت الحرب الإيرانية الجانب الآخر من المعادلة: لا تستطيع الدول الاعتماد إلى ما لا نهاية على أسلحة باهظة لمواجهة تهديدات يمكن إنتاجها بأعداد ضخمة وبتكلفة محدودة.
ولا تعني الطائرات الاعتراضية الرخيصة نهاية أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، إذ تظل الصواريخ الباليستية والطائرات المتقدمة بحاجة إلى منظومات أكثر تعقيداً.
لكن الاتجاه الجديد يشير إلى تغير فلسفة الدفاع الجوي نفسها، من الاعتماد على عدد محدود من الأسلحة مرتفعة التكلفة إلى بناء طبقات دفاعية تجمع بين أنظمة متطورة وأخرى رخيصة وقابلة للإنتاج بكميات كبيرة.
وبذلك، قد يكون سباق التسلح المقبل أقل ارتباطاً بمن يمتلك أغلى صاروخ، وأكثر ارتباطاً بمن يستطيع إنتاج أكبر عدد من وسائل الاعتراض بأقل تكلفة، وهي معادلة قد تصبح أحد أبرز الدروس العسكرية المستدامة التي تتركها الحرب الإيرانية.
4 دقائق قراءة
دقيقتين قراءة
28 ثانية قراءة
31 ثانية قراءة
59 ثانية قراءة
55 ثانية قراءة
3 دقائق قراءة



ستكون دائمًا على اطلاع على آخر التحديثات والعروض


يرجى المحاولة مرة أخرى لاحقًا
