نيويورك تايمز: على ترامب تقبّل الواقع.. لا تستطيع أميركا إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل

نيويورك تايمز: على ترامب تقبّل الواقع.. لا تستطيع أميركا إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل
A- A+

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالاً لمديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة "ديفنس برايورتيز"، روزماري كيلانيك، قالت فيه إنه لا بد من إعادة فتح مضيق هرمز، حتى لو كان ذلك يعني أن تفرض إيران رسوما على حركة المرور عبره.

وقالت إن الرئيس دونالد ترامب، في الأوقات التي لا يهدد فيها بتحويل مضيق هرمز إلى أراض أميركية، تطالب إدارته بأن يعود المضيق ممرا دوليا حرا لإمدادات النفط العالمية. ويتعين على الرئيس مواجهة الواقع: لن يتحقق أي من هذين الأمرين.

وقالت إن السيناريو يمثل هزيمة للولايات المتحدة، لكنه يظل الخيار الأقل سوءا في ظل الظروف الراهنة.

فقد كشفت الحرب مع إيران عن حقيقتين: إيران لا تستطيع إغلاق مضيق هرمز تماماً، والولايات المتحدة لا تستطيع فتحه بالكامل.

ورغم تعرضها لأشهر من القصف بالقنابل والصواريخ الأميركية، أثبتت طهران قدرتها على عرقلة حركة ناقلات النفط في المضيق، الذي كان يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية قبل أن يشن ترامب هجوما على إيران في شباط.


وقالت كيلانيك إن مضيق هرمز يعد ممراً بحرياً ضيقاً ومحفوفاً بالمخاطر، يمتد لمسافة 90 ميلا ويتخذ شكل حدوة الحصان، وهو ما يمنح الدول المطلة عليه، إيران شمالاً وعمان جنوباً، القدرة المحتملة على تعطيل حركة الملاحة. وتوفر السواحل الوعرة للمضيق ملاذا مثاليا للصواريخ الإيرانية الموجهة بدقة والمسيرات والقوارب الهجومية لتهديد السفن عبر تكتيكات "اضرب واهرب"، وهي تكتيكات يستحيل القضاء عليها بشكل حاسم.


وبإمكان إيران إنتاج هذه الأسلحة بتكلفة منخفضة وبكميات غير محدودة، مما يجعل الهجمات الإيرانية خطرا مستمرا وملازما لعملية العبور عبر هرمز، وهو خطر لن تزيله حتى الاتفاقيات التفاوضية مع طهران.

وأشارت إلى أن شركات الشحن ترددت في المخاطرة بأطقمها وشحناتها في ظل ظروف أمنية غير مثالية، مما أتاح لإيران تقييد حركة المرور دون الحاجة إلى مهاجمة كل سفينة تحاول العبور.

وحتى مع وجود المساعدات العسكرية الأميركية التي استنزفت مخزونات الذخيرة وأرهقت القوات البحرية، لم يعبر المضيق سوى حوالي خمسة ملايين برميل من النفط يوميا دون موافقة إيرانية صريحة، مقارنة بنحو 20 مليون برميل يوميا قبل اندلاع الحرب.

وعلى المدى الطويل، فإن العمليات التي تقودها الولايات المتحدة لتهريب النفط عبر هرمز ستنطوي على مخاطر وقوع خسائر بشرية أميركية، وستشكل عبئا ماليا على دافعي الضرائب الأميركيين.

من المنطقي أن يبدي الرأي العام الأميركي تشككاً إزاء تحمل تكاليف ضمان حرية المرور لدول لا تبدي استعدادا للمساعدة في تأمين المضيق، في حين أن بوسع تلك الدول تغطية التكاليف بنفسها من خلال رسوم العبور.

ومن الناحية المالية، تعد رسوم العبور خيارا أفضل للولايات المتحدة وللعالم مقارنة بحالة الإغلاق الجزئي الممتد للمضيق.

ورغم أن الصمود الذي أظهرته أسواق النفط العالمية مؤخرا قد فاجأ الكثيرين، إلا أن العجز اليومي في الإمدادات، الذي وصل إلى 14 مليون برميل في ذروة الحرب، أدى إلى استنزاف كبير في المخزون العالمي من النفط الخام ومشتقاته؛ مما أدى تدريجيا إلى استنفاد الاحتياطيات الوقائية التي حالت دون ارتفاع أسعار النفط إلا بنسب طفيفة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

وإذا ما أدى التوتر الراهن بشأن مضيق هرمز إلى قفزة حادة في أسعار النفط، فقد تكون الأضرار الاقتصادية وخيمة، ولا سيما بالنسبة للولايات المتحدة، التي يعتمد اقتصادها على النفط بكثافة تفوق بكثير اعتماد اقتصادات قوى عظمى أخرى مثل روسيا والصين.

على الرغم من أن فرض رسوم عبور في مضيق هرمز قد يمثل حرجا للولايات المتحدة ولترامب شخصياً، إلا أن تحويل المرور الآمن إلى مصدر للدخل سيشجع إيران على السماح بمرور أكبر عدد ممكن من السفن لتعظيم حصيلتها من الرسوم. وعلاوة على ذلك، إذا أصبحت إيران تعتمد على الإيرادات الناتجة عن إدارة المضيق، فسيصبح إغلاقه مستقبلا لأسباب سياسية أمرا أكثر صعوبة.

وأشارت إلى أن إيران تجري بالفعل محادثات مع سلطنة عمان بشأن مستقبل المضيق، إذ يمكن للإدارة المشتركة للممر المائي أن تعزز التعاون الإقليمي وتحفز إيران على إبداء قدر من المسؤولية من خلال تخفيف حدة خطابها وسلوكها.

وقد يمهد ذلك في نهاية المطاف لعودة إيران إلى المجتمع الدولي، مما يمنحها اعترافا يسهل عليها التخلي عن برنامجها النووي الذي يمثل حاليا مصدرا بديلا للمكانة والهيبة.

صحيح أن فرض الرسوم سيعود بالنفع المالي على إيران، لكن حتى التقديرات المرتفعة لتلك الإيرادات لن تعوضها عما تكبدته من خسائر جراء الحرب، والتي بلغت 270 مليار دولار. فإذا جمعت إيران ما بين 6 و14 مليار دولار سنويا من رسوم العبور، وفقا لبعض التقديرات، فقد يستغرق الأمر قرابة 20 عاما لتعويض تكاليف الحرب. وخلال هذه الفترة، ستؤدي تغيرات السوق إلى تراجع أهمية مضيق هرمز، مع قيام المصدرين في المنطقة بإنشاء خطوط أنابيب بديلة وانخفاض الطلب على النفط نتيجة التحول نحو المركبات الكهربائية.

صحيح أيضاً أن السماح لإيران بالسيطرة على مضيق هرمز قد يشكل سابقة سيئة تشجع دولا أخرى تطل على ممرات ملاحية استراتيجية وحساسة على السعي للسيطرة عليها، إلا أن ما يحدث في هرمز سيظل غالبا محصورا فيه؛ نظرا لأن خصائصه الجغرافية الفريدة وأهميته السوقية لنقل نفط الخليج العربي لا تضاهيها أي ممرات مائية أخرى.

ولا يمكن للحوثيين في اليمن، من الناحية الواقعية، محاكاة مناورة إيران في هرمز؛ لأنهم يسيطرون على جزء ضئيل فقط من ساحل البحر الأحمر، كما أن قدراتهم في مجالات الصواريخ والمسيرات وأنظمة الاستهداف أقل بكثير من نظيراتها الإيرانية.

ورغم أن حملة الحوثيين ضد حركة الملاحة في البحر الأحمر بين عامي 2023 و2025 أدت إلى تراجع عدد الرحلات البحرية، إلا أن كميات كبيرة من البضائع واصلت عبور الممر، ولم تتسبب معظم هجمات الحوثيين إلا في أضرار طفيفة أو معدومة. كما توفر لشركات الشحن بديل عملي يتمثل في تغيير المسار عبر رأس الرجاء الصالح، مما أضاف تكاليف وقود هامشية لم تتجاوز مليون دولار تقريبا لكل سفينة.


ويرى علماء اجتماع بارزون أن جميع أشكال فرض الضرائب تشبه في جوهرها ممارسات "الحماية القسرية" (أو الابتزاز مقابل الحماية)؛ إذ يظهر التاريخ أن الجهات القادرة على توفير الأمن أو التهديد بفرض عواقب في منطقة جغرافية ما، غالبا ما تفرض سلطتها السياسية وتجبي الضرائب في تلك المنطقة. لقد أظهرت إيران أنها تتمتع بالفعل بسيطرة كبيرة على مضيق هرمز.

صحيحٌ أن هذا الوضع ليس مثاليا بالنسبة للولايات المتحدة، إلا أن تقبّلنا لهذا الواقع الجديد في أقرب وقت ممكن يصب في مصلحة المستهلكين والاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي. وربما تؤدي عواقب الهيمنة الإيرانية الدائمة على مضيق هرمز إلى ثني الرؤساء الأميركيين المستقبليين، أو ترامب، عن شن حروب محفوفة بالمخاطر وغير ضرورية.


Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration