نيويورك تايمز: حرب إيران تكشف هشاشة القواعد الأميركية في الشرق الأوسط

نيويورك تايمز: حرب إيران تكشف هشاشة القواعد الأميركية في الشرق الأوسط
A- A+

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالاً للكاتب، دبليو جي هينغان، قال فيه إن إيران كشفت عن ضعف القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.


وأشار فيه إلى أنه وقبل قرار الرئيس دونالد ترامب الهجوم على إيران، بدأ مشروع ضخم لبناء وترميم ثكنات البحارة في القاعدة الأميركية بالبحرين، مقر قيادة البحرية بالمنطقة. فقد كان هذا المشروع، الذي حظي بدعم وزير الدفاع بيت هيغسيث، أحدث استثمار أميركي في هذا المجمع الشاسع، الذي مكن القوات الأميركية من بسط نفوذها في الشرق الأوسط لعقود.


ولكن مستقبل الثكنات وبقية المنشأة أصبح في الساعات الأولى من الحرب على إيران محل شك. ففي 28 شباط، أمطرت الصواريخ الإيرانية وطائرات الهجوم المسيرة أحادية الاتجاه مستودعات الطعام والوقود وإصلاح السفن في القاعدة ودمرت مرافق القيادة عالية التقنية، وأصبحت أماكن السكن غير صالحة للسكن.

ومع أنه لم تسجل أي وفيات، إلا أنه تم إجلاء نحو 1,500 فرد من أفراد الخدمة وعائلاتهم، تاركين وراءهم سياراتهم وحيواناتهم الأليفة وممتلكاتهم.

وبعد مرور ما يقارب سبعة أشهر، لا تزال القاعدة التي وصفها الجيش سابقا بأنها أكثر القواعد ازدحاما في العالم، والتي تبلغ مساحتها 152 فدانا، محظورة فعليا على الأفراد غير الأساسيين.

وصرح الأدميرال داريل كودل، رئيس العمليات البحرية، لأحد البحارة المرحلين من القاعدة خلال لقاء عالمي عقد في 31 آب في قاعدة فورت ميد في ولاية مريلاند: "لن نعود إلى هناك قريبا، أريد فقط أن أكون صريحا تماما في هذا الشأن".


وأضاف الكاتب أن الأمر لا يقتصر على البحرين فقط، فقد تضررت قواعد أميركية في الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعراق وعمان والأردن جراء غارات إيرانية بطائرات مسيرة وصواريخ. وقتل ما لا يقل عن 18 جنديا أميركياً، وأصيب نحو 800 آخرين، وتم نقل آلاف الجنود وأفراد عائلاتهم، الذين كانوا يتمركزون عادة في المنطقة، إلى أماكن أخرى.

وأشار تقرير صادر عن المفتش العام لوزارة الدفاع الأسبوع الماضي إلى خسارة ما يقارب 60 طائرة ومعدات أخرى، مما أدى إلى خسائر تقدر بنحو 3.7 مليار دولار، إلى جانب تضرر مئات المباني. وأضاف الكاتب أن الخسائر المادية والبشرية الأخيرة يجب أن تدفع البنتاغون إلى إعادة النظر في كيفية نشر قواته ومعداته في ظل انتشار الطائرات المسيرة رخيصة الكلفة والصواريخ الدقيقة لدى الأعداء.

وقال إن الولايات المتحدة تعتمد على شبكة قواعدها الخارجية الواسعة كمراكز لوجستية لضخ القوات والأسلحة والمعدات بسرعة إلى جميع أنحاء العالم، حيث أثبتت هذه الشبكة أنها رصيد مهم منذ الحرب العالمية الثانية، لكنها تبدو الآن عبئا متزايدا في عصر الطائرات المسيرة.

ونقل الكاتب ما قاله ديفيد إتش. بترايوس، الذي قاد في السابق القوات الأميركية في الشرق الأوسط والمدير السابق لوكالة المخابرات المركزية: "إن الأمر يتطلب إعادة نظر شاملة، ليس فقط في استراتيجية قواعدنا ومقراتنا الأمامية، بل في كيفية عملنا في المستقبل".


وأضاف الكاتب أن القواعد الأميركية وحاملات الطائرات في المنطقة، نظر إليها في العادة على أنها آمنة نسبيا للقوات. صحيح أن القواعد والسفن الحربية كانت تتعرض أحيانا لقصف مدفعي وصاروخي من الجماعات المسلحة، إلا أن هذه الهجمات كانت في معظمها متفرقة وغير مؤثرة، ويمكن إحباطها بسهولة.

وتعرضت القواعد العسكرية في العراق للعديد من الهجمات من قبل جماعات مدعومة من إيران، سعت إلى معاقبة الولايات المتحدة على توسيع وجودها العسكري وبسط نفوذها في المنطقة.

أما اليوم، فتخوض واشنطن وطهران حربا مباشرة. وقد أظهرت أكثر من ستة أشهر من القتال أن الدفاعات الجوية الحديثة، مهما بلغت شموليتها، لا تستطيع حماية القواعد بشكل كامل من وابل الطائرات المسيرة والصواريخ. وهو ما أشار إليه المرشد الإيراني، آية الله مجتبى خامنئي، في أيار الماضي، حين قال إن الولايات المتحدة لن تجد بعد الآن "ملاذًا آمنا لأعمالها التخريبية ولإنشاء قواعد عسكرية".


ويعتقد الكاتب أن هذا الضرر بدأ يؤثر بالفعل على قدرة أميركا على مواصلة القتال، فعلى سبيل المثال، أدت الأضرار الفادحة التي لحقت بالقاعدة في البحرين إلى سلسلة من المشاكل المتلاحقة للبحرية الأميركية، فبدون الوصول إلى مركز العمليات، تفتقر السفن الحربية العاملة قرب مضيق هرمز إلى إمدادات منتظمة من الوقود والغذاء والسلع الأخرى. واضطر البحارة للاعتماد على قاعدة في دييغو غارسيا، وهي جزيرة صغيرة تبعد 2,200 ميل عن خليج عمان لإعادة التموين، الأمر الذي استغرق أسبوعين بدلا من أسبوع واحد. كما أمضت حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" أكثر من 250 يوما في البحر دون التوقف في أي ميناء، باستثناء توقفات قصيرة في غوام وعمان. وقد أثار هذا الانتشار المطول ضجة إعلامية واسعة النطاق حول نقص الغذاء وتدهور الحالة النفسية للبحارة.


ومنذ ذلك الحين، أصدرت القيادة المركزية الأميركية توجيهات لحاملة الطائرات بالعودة إلى مرساها في أميركا، في رحلة بحرية طولها 13,000 ميل من المتوقع أن تنتهي في سان دييغو خلال الأسابيع القليلة المقبلة. ونظرا للتغيرات السريعة التي تشهدها الجيوش العالمية، يتعين على الولايات المتحدة أن تدرك أن معظم قواعدها وموانئها ومطاراتها المنتشرة في 80 دولة، والتي يقدر عددها بنحو 750 قاعدة حول العالم، أصبحت أكثر عرضة للهجمات الجوية بشكل كبير.


وبات بإمكان روسيا والصين، وحتى كوريا الشمالية، إطلاق ترسانة أوسع من الصواريخ الأكثر قوة وتطورا تقنيا ضد المنشآت الأميركية في مناطقها. ومن بين سبل تقليل المخاطر تقليص حجم القواعد العسكرية. تمتلك الولايات المتحدة ما يقارب ثلاثة أضعاف عدد قواعدها الخارجية مقارنة بسفاراتها وقنصلياتها وبعثاتها، ونحو ضعف عدد قواعد جميع الدول الأخرى مجتمعة. وتكلف هذه المنشآت عشرات المليارات من الدولارات سنويا لتشغيلها. ومن شأن دمج هذه القواعد أن يقلل من عدد القوات التي ستكون عرضة لنيران العدو، ويوفر في الوقت نفسه أموال دافعي الضرائب.


ويرى الجنرال المتقاعد بن هوجز، الذي أشرف على جميع قوات الجيش الأميركي في أوروبا، أنه ينبغي على القواعد العسكرية البدء في إنشاء دفاعات أكثر فعالية باستخدام طائرات اعتراضية منخفضة التكلفة، ووضع المعدات تحت الأرض وحماية المنشآت من هجمات الطائرات المسيرة أحادية الاتجاه. وأضاف: "قبل سنوات، لم أكن أتصور أو أتخيل أن تهاجم آلاف من هذه الطائرات في وقت واحد، علينا الاستعداد لتفاقم هذا التهديد".


وقال غلين فان هيرك، الجنرال المتقاعد في سلاح الجو الذي قاد القيادة الشمالية الأميركية، إنه ينبغي على الجيش الأميركي تبني نظام التناوب في الطائرات الحربية وطائرات التزود بالوقود وغيرها من المعدات بشكل عشوائي بين القواعد في المنطقة، لضمان جاهزيتها في حالات الطوارئ دون تعريضها لهجمات جوية. وقال إن على البنتاغون أن يتعلم من دروس الماضي، بما في ذلك النسخ الحديثة من المجسمات المطاطية الخفيفة القابلة للنفخ التي استخدمتها قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، ففي ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة تنشر طائرات ودبابات ومعدات أخرى وهمية على مدارجها وثكناتها لتضليل استخبارات العدو وتشتيت نيرانه عن المعدات الحقيقية. وأضاف الجنرال فان هيرك: "إن الخداع باستخدام المجسمات على سبيل المثال، يستنزف موارد الخصم في تحديد مواقع القوات وتتبعها وتقييم قدراتها ونواياها. كما أن الخداع يجعل القوة تبدو أكبر حجما وأكثر قدرة، ولا يكلف الكثير من المال".


ويعلق الكاتب أن هذه التحركات قد تكون مجرد استعراضات، لكن الولايات المتحدة لا تستطيع الاستمرار في اتباع الأساليب نفسها، فقد كشفت الحرب في إيران أن الجيش يقف على مفترق طرق. ذلك أن التفاوض على شروط الوصول إلى القواعد يستغرق سنوات، وبناؤها يتطلب مليارات الدولارات على مر الزمن.

والانسحاب ليس خيارا مطروحا، لكن مجرد العودة إلى القواعد العسكرية بعد انحسار القتال ليس خيارا مقبولا، ولا ينبغي للكونغرس أن يقبل الوضع الراهن بتمويله. وعليه، يجب أن تكون أميركا أكثر حكمة في كيفية دفاعها عن هذه المنشآت ضد التهديدات المستجدة وفي قراراتها الأوسع نطاقا بشأن خوض الحرب. إن القيام بذلك دون إجراء النقاشات الضرورية يعد مخاطرة غير ضرورية بالمال وأرواح الجنود الأميركيين.


Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration