«نيويورك تايمز»: عصر الرضوخ لترامب يتبدد... وكندا تقود تحدّي نفوذه

26 آب 2026 الساعة 20:28
«نيويورك تايمز»: عصر الرضوخ لترامب يتبدد... وكندا تقود تحدّي نفوذه
A- A+

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالًا لكبير مراسلي البيت الأبيض بيتر بيكر، تناول فيه أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إدارة الملفات الخارجية، معتبرًا أن نهجه بات يقوم على نمط متكرر يبدأ بطرح مطالب محددة، ثم الانتقال إلى التصعيد والتهديد بعقوبات قاسية عند عدم الاستجابة لها، قبل أن ينتهي الطرف الآخر إلى تقديم تنازلات.

ورفض مارك كارني، رئيس الوزراء الكندي الرضوخ لتهديدات ترامب التجارية، متبنيًا استراتيجية المواجهة بفرض رسوم جمركية انتقامية، مما يغير سردية ولاية ترامب الثانية من الاستسلام إلى التحدي.

واعتبر المقال أن عهد الاستسلام الذي طبع عودة ترامب إلى السلطة بدأ على ما يبدو، بـ"الأفول"، إذ يظهر قادة العالم والمؤسسات المحلية، في بعض الحالات على الأقل، استعداداً أقل للانصياع لإرادة ترامب.

فقد رفض القادة الأوروبيون الانضمام إلى حربه ضد إيران، ورفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطته بشأن غزة، كما أجبرته دول الخليج العربية على التخلي عن خطط لفرض رسوم عبور في مضيق هرمز.

وتواجه سياسات الإدارة الأميركية رفضاً داخلياً متزايداً من الجامعات وشركات المحاماة، إلى جانب تمرد في أسواق السندات، كما تحولت شبكة "إي بي سي" للمواجهة القضائية لحماية تراخيصها، بعد أن تبين أن التسويات المالية السابقة لم تضمن السلام مع الإدارة.

إلا أن هذا لا يعني بحسب المقال، التقليل من شأن ترامب، فرغم أن أرقام استطلاعات الرأي الخاصة به تقترب من أدنى مستوياتها التاريخية، فإنه لا يزال الشخصية الأكثر هيمنة على الكوكب، ويستطيع تغيير قواعد النقاش العالمي بمجرد نزوة عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يخشى ممارسة السلطة بأساليب لم يلجأ إليها أسلافه.

وأضافت «نيويورك تايمز» أن ترامب قد ينجح في نهاية المطاف في إخضاع كندا و"إسرائيل" لإرادته، سواء بقوة شخصيته أو عبر الرسوم الجمركية أو بوسائل أخرى.

ومنحته المحكمة العليا الفرصة تلو الأخرى لاستخدام سلطته التنفيذية كما يشاء، سواء كان ذلك بالسيطرة على الوكالات المستقلة، أو بناء قاعة الاحتفالات التي طالما رغب فيها، أو محاولة تقييد التصويت عبر البريد.

وأشار المقال إلى أن مصادقة مجلس الشيوخ على تعيين "تود بلانش" في منصب النائب العام تؤكد استمرار هيمنة الرئيس ترامب على الجناح الجمهوري في الكونغرس رغم محاولات مقاومة محدودة، وتظهر هذه الخطوة أن توقعات استقلال الجمهوريين لا تزال غير دقيقة، حيث يثبت الحزب خضوعه لنفوذ ترامب وتوجهاته التشريعية.

لكن داخل الحزب الجمهوري نفسه، تظهر مؤشرات مقلقة بالنسبة إلى ترامب. فعلى الرغم من نجاحه في معاقبة عدد من المشرعين الجمهوريين البارزين الذين اعتبرهم غير موالين له، عبر حشد قاعدته الجماهيرية «ماغا» «لنجعل أميركا عظيمة مجددًا» لهزيمتهم في الانتخابات التمهيدية هذا العام، فإن الناخبين الجمهوريين رفضوا مرشحين حظوا بدعم ترامب في 10 سباقات انتخابية، بينها ستة جرت خلال آب/أغسطس وحده. كما أظهرت استطلاعات الرأي تراجع مستوى تأييده بين الجمهوريين.

ويقول نورم آيزن، المحامي السابق في إدارة أوباما ومؤسس مجموعة "صندوق المدافعين عن الديمقراطية" التي تخوض معارك قضائية متعددة ضد ترامب: "أعتقد أن الأسابيع الأخيرة مثلت نوعا من نقطة التحول، إذ تقف القوى المؤيدة للديمقراطية وغيرها في وجهه، سواء داخل البلاد أو خارجها، بعزم وقوة أوسع نطاقا بكثير".

وأضاف: "لقد كان ترامب أسوأ عدو لنفسه". وبطبيعة الحال، يرفض ترامب ومستشاروه هذا التقييم، مشيرين إلى قدرته المستمرة على توجيه مسار الأحداث.

وبحسب «نيويورك تايمز»، فقد أملى ترامب على الشركات الخاصة كيفية اتخاذ قراراتها وعلى الجامعات كيفية التدريس، وجعل برامج التنوع مثيرة للجدل لدرجة أن أصحاب العمل في جميع أنحاء البلاد تخلوا عنها. كما أفرغ الوكالات الفدرالية من مضمونها دون الرجوع إلى الكونغرس، وسيطر على مركز كينيدي، واستخدم سلطة الحكومة لملاحقة خصومه.

وخلال ذلك، نجح في الضغط على الآخرين للامتثال لرغباته؛ إذ سعت شركات المحاماة والجامعات والمؤسسات الإعلامية وأباطرة التكنولوجيا جاهدين إلى إظهار الولاء، فقاموا بتغيير سياساتهم لتلائمه أو وافقوا على صفقات بملايين الدولارات طالب هو بإبرامها.

وعلق جاكوب وايزبرغ، الذي رصد ظاهرة الخضوع في كتاب جديد يصدر الشهر المقبل بعنوان "نماذج في الجبن"، بأن موازين الحوافز بدأت تنقلب، وأن الرضوخ لترامب قد يؤدي الآن إلى رد فعل عكسي مكلف.

وأضاف قائلاً: "لقد ارتفعت تكلفة الاستسلام"، مستشهداً بموجة الانتقادات التي واجهتها جامعة ييل عندما بدأت التفاوض مع إدارة ترامب.

وبالمثل، توجد مؤشرات على حدوث ذلك خارج الولايات المتحدة أيضاً، لا سيما في أوروبا، وبدرجة أقل في الشرق الأوسط. فعندما تولى ترامب الرئاسة مرة أخرى العام الماضي، رضخ حلفاء الناتو لضغوطه ووافقوا على زيادة الإنفاق العسكري؛ أما الآن، فقد أصبحوا أكثر مقاومة لمطالبه على اختلاف توجهاتهم السياسية، بدءاً من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ووصولاً إلى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.

وظهر هذا التحدي بداية العام الحالي عندما سعى ترامب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند، التي تعد جزءاً من الدنمارك، عضو الناتو، بل لوح ترامب بإمكانية استخدام القوة العسكرية للسيطرة على تلك الجزيرة الشاسعة، مما أثار احتمال نشوب صراع داخلي بين أعضاء الحلف.

ويعيد الصدام مع كندا الكثير من تفاصيل هذا التاريخ إلى الواجهة، فقد واصل الجانبان التصعيد في الأيام الأخيرة. وفي خطاب أعلن فيه عن تعليق المحادثات الأسبوع الماضي، قال كارني إنه طالما حذر من أن "أميركا تحاول كسر شوكتنا لتتمكن من السيطرة علينا، وقد تعهدت بأن ذلك لن يحدث أبدا".

وانتقد ترامب يوم الثلاثاء كارني، واصفا إياه بأنه "رئيس وزراء ضعيف وغير فعال"، وهدد بتغيير اسم "بحيرة أونتاريو" إلى "بحيرة أميركا".

ومن جهتها، تراقب دول العالم الوضع عن كثب، إذ أشار جيرمي شابيرو، وهو مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية ويعمل حاليا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى أن القادة "باتوا يعتقدون في الغالب أن التراجع أمام عدوانية ترامب أو إهاناته لا يؤدي إلا إلى تشجيعه على طرح المزيد من المطالب".

وقال شابيرو: "أعتقد أن كارني يضع نموذجاً لكيفية الرد على تهديدات ترامب المستقبلية بفرض الرسوم الجمركية".





Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration