
أعادت التطورات المتسارعة في حرب المسيّرات بين روسيا وأوكرانيا شبكة "ستارلينك" التابعة لشركة "سبيس إكس" إلى قلب الجدل حول حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه التكنولوجيا التجارية في توجيه العمليات العسكرية، بعدما تحولت الشبكة منذ الأسابيع الأولى للحرب إلى عنصر أساسي في الاتصالات والقيادة والسيطرة للقوات الأوكرانية.
وتكتسب المسألة أهمية أكبر مع توسع استخدام المسيّرات الأوكرانية في الضربات بعيدة المدى داخل روسيا، في وقت تحافظ فيه "ستارلينك" على قيود جغرافية تمنع تشغيل الخدمة داخل الأراضي الروسية، فيما تؤكد مصادر أوكرانية أن موسكو حاولت بدورها استخدام محطات "ستارلينك" في مسيّراتها، ما دفع كييف إلى التعاون مع "سبيس إكس" لتحديد المحطات غير المصرح بها وتعطيلها.
"ستارلينك".. من الاتصالات إلى ساحة المعركة
ومنذ بداية الحرب الشاملة عام 2022، أصبحت "ستارلينك" جزءًا مهمًّا من منظومة الاتصالات الأوكرانية؛ إذ أتاحت للقوات الحفاظ على الاتصال وتبادل البيانات في بيئة تتعرض فيها شبكات الاتصالات التقليدية للتدمير والتشويش، وتطور الاستخدام العسكري للشبكة لاحقًا مع دخولها في تشغيل مسيّرات قادرة على تنفيذ ضربات خلف خطوط المواجهة.
وأفادت "رويترز" في تموز الماضي بأن القوات الأوكرانية تستخدم "ستارلينك" في عدد من المسيّرات التي تنفذ ما يعرف بضربات "منتصف المسار"، بما يسمح للمشغلين بتوجيه الطائرات وتعديل مسارها أثناء الرحلة واستهداف خطوط الإمداد ومستودعات الوقود ومنشآت الدفاع الجوي ومراكز القيادة.
لكن هذا الاستخدام لا يعني أن الشبكة تمثل نظامًا مستقلًّا لتوجيه كل الأسلحة الأوكرانية، ولا سيما الصواريخ الباليستية، التي تعتمد على أنظمة توجيه مختلفة عن اتصال الإنترنت عبر الأقمار الصناعية.
لماذا لا تعمل "ستارلينك" داخل روسيا؟
ويعود جانب أساسي من الجدل إلى نظام الحجب الجغرافي الذي تستخدمه "ستارلينك" لتحديد المناطق التي يسمح فيها بتشغيل الخدمة، إذ توضح تحليلات تقنية منشورة أن "سبيس إكس" تستطيع استخدام آليات "geofencing" لتحديد نطاق الخدمة، بحيث تعمل المحطات داخل مناطق جغرافية محددة وتتوقف عن العمل عند الانتقال إلى مناطق غير مصرح بها.
وتكمن صعوبة هذه الآلية في مناطق الحرب التي تتغير فيها خطوط السيطرة باستمرار، ما قد يؤدي إلى انقطاع الخدمة عن مستخدمين شرعيين إذا تغيرت الحدود التشغيلية بسرعة.
وفي شباط الماضي، بدأت أوكرانيا، بالتنسيق مع "سبيس إكس"، تطبيق نظام "قائمة بيضاء" لمحطات "ستارلينك"، بحيث لا تعمل داخل البلاد سوى المحطات التي جرى التحقق منها واعتمادها، في خطوة قالت وزارة الدفاع الأوكرانية إنها تستهدف منع استخدام القوات الروسية لمحطات حصلت عليها بصورة غير مشروعة.
وتكشف هذه الإجراءات أن التحكم في الشبكة لا يقتصر على قرار شخصي بتشغيلها أو إيقافها، وإنما يرتبط بمنظومة تقنية وتنظيمية تشمل تحديد موقع المحطة، والتحقق من المستخدم، وشروط الخدمة، والقوانين المنظمة للاستخدام والتصدير.
ماسك ليس صاحب القرار الوحيد
في هذا السياق، يرى الباحث السياسي الأميركي برادلي إيفانز، أن تصوير إيلون ماسك باعتباره صاحب القرار المنفرد في تحديد مسار العمليات العسكرية المرتبطة بـ"ستارلينك" يختزل منظومة أكثر تعقيدًا من الناحية القانونية والسياسية.
ويقول إيفانز، إن أي توسع في استخدام الخدمة لأغراض عسكرية لا يمكن فصله عن القيود التنظيمية الأميركية، خصوصًا أن شروط "ستارلينك" نفسها تنص على ضرورة الالتزام بقوانين التصدير والعقوبات والقيود المتعلقة بالاستخدامات العسكرية.
وتنص شروط الخدمة المنشورة من "ستارلينك" على أن الاستخدامات العسكرية أو التعديلات الخاصة بالمنتجات والخدمات قد تخضع لقوانين أميركية مثل ITAR وEAR، وأن بعض الاستخدامات العسكرية خارج الولايات المتحدة قد تتطلب تصاريح حكومية أمريكية، كما تنص الشركة على أن الخدمة لم تصمم أصلًا للاستخدام في الأسلحة الهجومية أو الدفاعية.
ويشير إيفانز إلى أن قدرة ماسك أو "سبيس إكس" على تعديل نطاق الخدمة تقنيًا لا تعني امتلاك حرية سياسية مطلقة لاتخاذ قرار من شأنه تغيير طبيعة المشاركة الأميركية في الحرب.
هل يمكن فتح الخدمة جزئيًّا؟
ومن الناحية التقنية، لا يعني تغيير القيود الجغرافية بالضرورة فتح الخدمة فوق الأراضي الروسية بالكامل، فآليات الحجب الجغرافي تسمح من حيث المبدأ بتحديد مناطق تشغيل دقيقة، وهو ما يفتح الباب نظريًّا أمام سيناريوهات أكثر محدودية، مثل السماح بالخدمة في نطاقات معينة أو منعها عن مناطق أخرى.
لكن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بإمكانية تنفيذ ذلك برمجيًّا، وإنما بتحديد الغرض من الاستخدام ومَن يملك المحطة وماذا سيحدث إذا انتقلت إلى منطقة أخرى أثناء العملية.
ويزداد التعقيد عندما يتعلق الأمر بمسيّرات تتحرك لمسافات طويلة؛ إذ إن فتح الاتصال في نقطة معينة قد يمنح المشغل قدرة على مواصلة التحكم بالطائرة بعد انتقالها إلى نطاق جغرافي آخر.
المخاطر تتجاوز التكنولوجيا
من جانبه، يرى المحلل العسكري الروسي أرتيوم كوزنيكوف، أن الجدل حول فتح "ستارلينك" فوق روسيا يعكس محاولة البحث عن حلول تقنية لمشكلة عسكرية وسياسية أكثر تعقيدًا.
ويقول كوزنيكوف، إن توسيع استخدام الشبكة لتوجيه مسيّرات أو دعم عمليات هجومية داخل الأراضي الروسية سيزيد من حساسية الدور الذي تلعبه البنية التحتية الفضائية التجارية في الحرب، وقد يدفع موسكو إلى تكثيف محاولات التشويش والاستهداف المضاد.
وتظهر التطورات الأخيرة بالفعل أن روسيا تعمل على تطوير وسائل لمواجهة استخدام "ستارلينك" في المسيّرات الأوكرانية، بينها أنظمة تشويش وإجراءات تستهدف تعطيل الاتصال أثناء تنفيذ الضربات.
كييف تبحث عن بدائل
وفي المقابل، يشير ميكولا تسيمباليوك، الباحث في مركز كييف للدراسات الأمنية، إلى أن الجدل حول "زر ستارلينك" يكشف هشاشة اعتماد أوكرانيا على بنية اتصالات فضائية تملك شركة خاصة جزءًا كبيرًا من مفاتيح التحكم فيها.
ويقول تسيمباليوك، إن كييف لا تنظر إلى "ستارلينك" باعتبارها مجرد خدمة إنترنت، وإنما باعتبارها عنصرًا من عناصر القدرة العسكرية على الاتصال والتحكم، ولذلك فإن أي قيود مفاجئة على نطاق الخدمة يمكن أن تنعكس مباشرة على أداء بعض الأنظمة غير المأهولة.
ويضيف أن التجربة دفعت أوكرانيا إلى البحث عن شبكات بديلة، وعدم الاعتماد على مزود واحد في مجال الاتصالات العسكرية، خصوصًا مع توسع الحرب الإلكترونية واعتماد الطرفين بصورة متزايدة على الأقمار الصناعية.
روسيا تستخدم "ستارلينك" أيضًا
والمفارقة أن المعركة حول الشبكة لم تعد مقتصرة على محاولة كييف الحفاظ على تفوقها الاتصالي، بعدما ظهرت خلال العام الحالي أدلة على استخدام القوات الروسية لمحطات "ستارلينك" في مسيّرات هجومية.
وأعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية في يناير الماضي أنها تعمل مع "سبيس إكس" لمعالجة استخدام القوات الروسية لمحطات "ستارلينك" على مسيّرات، فيما بدأت كييف لاحقًا تطبيق نظام للتحقق من المحطات وحجب غير المصرح بها.
كما أشارت تقارير إلى أن بعض القوات الروسية حصلت على المحطات عبر أسواق غير رسمية أو بعد الاستيلاء عليها، وليس نتيجة تزويد مباشر من "سبيس إكس".
"زر" تقني.. وقرار سياسي
ومن الناحية العملية، يمكن لـ"سبيس إكس" التحكم في إتاحة الخدمة ضمن نطاقات جغرافية محددة، لكن تحويل هذه القدرة التقنية إلى أداة لدعم عمليات هجومية داخل روسيا يظل قرارًا مختلفًا تمامًا؛ لأنه يدخل في تقاطع التكنولوجيا التجارية مع الاستخدام العسكري والقوانين الأمريكية المتعلقة بالتصدير والدعم العسكري.
ولهذا؛ فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ماسك يستطيع "الضغط على زر" من الناحية البرمجية، وإنما ما إذا كانت واشنطن ستسمح بتغيير قواعد الاستخدام بما يجعل "ستارلينك" تعمل في بيئة جغرافية مرتبطة مباشرة بعمليات هجومية داخل روسيا.
وهنا تصبح الشبكة جزءًا من معادلة أوسع، فكلما اتسع استخدامها في العمليات الهجومية، زادت قيمتها العسكرية، لكن في الوقت نفسه ترتفع المخاطر السياسية والقانونية والأمنية المرتبطة بتحويل بنية اتصالات تجارية إلى عنصر مباشر في الصراع.
المرحلة المقبلة.. من يملك مفتاح "ستارلينك"؟
وبينما تواصل أوكرانيا تطوير المسيّرات بعيدة المدى، وتحاول روسيا تعطيل الاتصالات الفضائية المستخدمة في توجيهها، يبدو مستقبل "ستارلينك" في الحرب مرتبطًا بثلاثة عوامل متداخلة، تتمثل في القدرة التقنية على التحكم في التغطية، والقيود القانونية الأمريكية، والحسابات السياسية المتعلقة بمستوى الانخراط في الحرب.
وبالتالي، فإن "فتح ستارلينك" فوق روسيا، إذا طُرح فعليًّا، لن يكون مجرد تعديل برمجي لخريطة التغطية، بل قرارًا يمكن أن يغيّر طبيعة الدور الذي تؤديه شركة أميركية خاصة داخل الحرب.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار اعتماد كييف على شبكة واحدة يضعها أمام معضلة استراتيجية؛ فالتكنولوجيا التي شكلت أحد أهم عناصر الصمود والاتصال منذ 2022 أصبحت اليوم جزءًا من معركة النفوذ على الفضاء والاتصالات، حيث يمكن لقرار تقني محدود أن ينعكس مباشرة على مسار العمليات العسكرية في البر والجو والعمق الروسي.










/file/attachments/2401/460415.jpg)
38 ثانية قراءة/file/attachments/2401/894644.jpg)
/file/attachments/2401/627090.jpg)
/file/attachments/2130/643040.jpg)
/file/attachments/2144/375908.jpg)
/file/attachments/2401/images-2026-09-25T165701834_513826.jpg)






