
شارك رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في القداس الذي احتفل به البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، في كاتدرائية مار جرجس المارونية في وسط بيروت، لمناسبة تكريس مذبح الطوباويين البطريركين مار اسطفان الدويهي ومار الياس الحويك.
وفور دخول الرئيس عون الى الكاتدرائية، توجه إلى المذبح حيث تلا الراعي صلاة تكريس مذبح البطريركين الطوباويين، ورفع الستارة عن لوحة تجمع صورة الدويهي والحويك.
وخلال القداس، القى الراعي عظة قال فيها: "في إنجيل اليوم كلمة تستحق أن نتوقف عندها: هي الصبر. إنّه ثبات في الإيمان، وأمانة في الرسالة، واستمرار في العمل. بالصبر ينضج الإيمان، بالصبر تتحول المحنة إلى خبرة، بالصبر يصبح الرجاء أقوى من الإحباط، وبالصبر تُبنى الكنائس والأوطان والمؤسسات. وهذا المذبح الذي نباركه ونكرّسه اليوم يضع أمامنا شاهدَين حيّين على هذا المعنى: الطوباوي الدويهي والطوباوي الحويك. فالطوباوي الدويهي لم يعرف بطريركية هادئة. عاش التقشف والصلاة في قنوبين، وحمل مسؤولية الكنيسة في زمن الاضطهادات والمضايقات وعدم الاستقرار. واضطر بسبب الظروف والضغوط إلى مغادرة قنوبين واللجوء إلى أماكن أكثر أمانًا، بينها كسروان ومجدل المعوش، لكنه حمل معه حيثما ذهب همّ الكنيسة وتراثها ورسالتها. كتب في التاريخ والليتورجيا واللاهوت، وجمع وحفظ ووثّق، حتى غدا تراثه من أهم المراجع التي حفظت ذاكرة الكنيسة المارونية وتاريخها. ضاقت به الأمكنة، فاتسعت أمامه المعرفة. تعب الجسد، لكن الرسالة لم تتعب. لم ينتظر انتهاء المحنة ليعمل، بل جعل من قلب المحنة مكانًا للعمل".
وتابع: "الحويك كانت مسؤوليته بحجم الوطن. فحمل قضية لبنان إلى مؤتمر الصلح في باريس، مترئسًا الوفد اللبناني، ومطالبًا باستقلال لبنان واستعادة حدوده. وكانت في المقابل اتجاهات ومشاريع تدعو إلى إدخاله في الوحدة مع سوريا. لم تُثنِه مشقّات السفر عن حمل رسالته، فتحمّل عناء السفر الطويل والبحر وثقل المسؤولية، لا من أجل مصلحة شخصية، بل من أجل وطن. وهناك بدأت معركة من نوع آخر: المفاوضات، والاتصالات، وإقناع الدول، والدفاع عن الكيان والحدود، ومواجهة المشاريع المخالفة لما حمله من مطالب، حتى أُعلن لبنان الكبير. لكن الإعلان لم يكن نهاية المهمة. فالحدود يمكن أن تُرسم بقرار، أما الوطن فيحتاج إلى أن يُبنى في القلوب. من هنا انصرف الحويك إلى مهمة داخلية لا تقل صعوبة: ترسيخ الوحدة والعيش المشترك، والتقريب بين مكوّنات الوطن الجديد. فحمل القضية إلى الخارج حتى صار الحلم كيانًا، ثم حمل همّ الداخل لكي يصبح الكيان وطنًا".
وقال: "هكذا نرى في الدويهي والحويك وجهين للأمانة نفسها: الدويهي حفظ للكنيسة ذاكرتها وتراثها وسط الاضطهاد، والحويك حمل قضية وطن وسط التحولات الكبرى. لم تكن العظمة في أنهما لم يعرفا الصعوبة، بل في أنهما لم يسمحا للصعوبة أن تغيّر وجهتهما. هذا هو الدرس الذي يبقى لنا من إنجيل اليوم ومن سيرتهما. فالأعمال الكبيرة تحتاج إلى أناس يعرفون كيف يبدؤون، وكيف يستمرون، وكيف يبقون أمناء عندما يطول الطريق. فالزمن لا يهزم صاحب الرسالة إذا بقي أمينًا لها".
أضاف: "في الشأن الوطني، لبنان اليوم يحتاج إلى الصبر: صبرٍ يرافق القرار والحوار والعمل الجدي من أجل قيام دولة قادرة على تحمّل كامل مسؤولياتها. من هنا تبرز أهمية ما يُبحث في شأن دعم الجيش اللبناني وتسليحه وتجهيزه وتمكين الدولة، ولا سيما بعد الاجتماع الذي عُقد في باريس في السابع عشر من أيلول لبحث احتياجات الجيش والقوى الأمنية ومستقبل الوضع في الجنوب. المطلوب أن تتحول المواقف إلى خطوات عملية، وأن يترسخ مبدأ الدولة الواحدة القادرة، صاحبة المرجعية في السلاح والقرار الأمني. الدولة تحتاج أيضًا إلى نَفَس طويل لبناء الوحدة الداخلية، وتقريب المواقف، واستعادة ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم. فالوحدة لا تُفرض بقرار، ولا تُبنى في جلسة واحدة، بل تحتاج إلى حوار وإرادة مشتركة وإلى وضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الخاصة. وتبقى الديبلوماسية اللبنانية أمام اختبار تحويل التحرك الخارجي إلى نتائج ملموسة: دعم الدولة، معالجة مستقبل الجنوب وما بعد اليونيفيل، حصر السلاح، دفع المسارات التفاوضية إلى الأمام، واستعادة الدعم السياسي والاقتصادي للبنان. المطلوب وضوح في الهدف، واستمرارية في العمل، وإصرار على الوصول إلى النتيجة".
وتابع: "ولا يقلّ الملف الاقتصادي والمالي وحقوق المودعين أهمية. فالإصلاح المصرفي واستعادة الحقوق لا يجوز أن يبقيا مؤجلين، وقد جرى التشديد في المحادثات الأخيرة مع صندوق النقد الدولي على حماية المودعين ضمن معالجة الخسائر. لقد انتظر الناس طويلًا، ومن حقهم أن يروا إصلاحًا يعيد الثقة ويحفظ الحقوق. إنّ الصبر لا يعني تأجيل الحلول، ولا التعايش مع الخطأ، ولا إدارة الأزمة إلى ما لا نهاية. الصبر الحقيقي هو أن نعرف الهدف، وأن نبدأ العمل من أجله، وألا نتراجع حتى نبلغ النتيجة. هكذا يستطيع لبنان أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى تثبيت الاستقرار وصناعة المستقبل. فالأوطان لا تُبنى في يوم، لكنها تُبنى حين لا يتعب أبناؤها من العمل من أجلها".
وختم: "لنصلِّ، ونحن نبارك ونكرّس مذبح الطوباويين الدويهي والحويك، لقد علّمنا ألا نيأس أمام الصعوبات، وأن نبقى أمناء لك ولكنيستنا ولوطننا. بشفاعة الطوباويَين، بارك هذا المذبح وكل من يصلّي أمامه، واحفظ لبنان وشعبه، واجعل الرجاء أقوى من كل محنة".










39 ثانية قراءة/file/attachments/2402/752011.jpg)
/file/attachments/2402/4_853793.jpg)
/file/attachments/2402/130544.jpg)
/file/attachments/2402/324445.jpg)
/file/attachments/2401/5_800980.jpg)



