سورية في حرب دفاعاً عن التراب الوطني وعن السوريين ضد معتدين في مقدمهم الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وإمّعاتهم . أعتقد أن هذه مسألة لا جدال حولها وبالمناسبة العار كل العار  على الذين كذبوا وإحتالوا على السوريين  فأوهموا بعضهم بأن «الثورة» تتحقق بمساعدة الامبريالية الغربية وثلاثة أمراء، سعودي وقطري وإماراتي، وحاكم تركي مصاب بداء العظمة فظن  أنه سلطان!

في معركة الدفاع عن الوطن أو تحريره من الإحتلال يكون أهل الوطن وطنيين أو لا وطنيين. لا تتزامن الثورة الوطنية مع الغزو الإستعماري ولا تتجاور المعارضة الوطنية مع قوات أجنبية تحتل  مواقع على أرض الوطن.

في الحرب يكون الرئيس أو القائد الذي يتولّج أمر قيادة الجيوش الرسمية وفصائل المقاومة الشعبية رئيساً وقائداً لجميع الوطنيين. لذا يكتسب  خطابه أهمية كبيرة لأن الغاية منه تكون إطلاع الناس في البلاد على الأوضاع شحذاً للهمم وتقوية للثقة بالنفس. تحسن الإشارة هنا إلى أن خطاب الرئيس أثناء الحرب عندما يكون هذا الأخير حاضراً في الساحة الوطنية يختلف كلياً عن المعلومات التي يروجها خبراء الحرب النفسية في معسكر الأعداء.

طبيعي أن يهتم بما قاله الرئيس السوري  بشار الأسد كل وطني سوري وكل عربي يدرك أن معركة سورية تتجاوز حدود هذه البلاد وتؤكد على أنه يتوقف على نتائجها ليس مصير السوريين وحدهم  ومصير شعوب المنطقة العربية وإنما الإستقرار  الدولي أيضاً.

فماذا قال الرئيس السوري؟

ـ  تدور الحرب في سورية بين محورين، محور يشن حرباً إرهابية على سورية، تقف وراءها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانية وفرنسا وإسرائيل. بكلام آخر جندت هذه الدول إرهابيين مرتزقة ومحليين وأرسلتهم إلى سورية وتولت قيادتهم في جنوب البلاد من خلال غرفة عمليات الموك في الأردن، ومحور ثان يتكون من تحالف إستراتيجي رباعي سوري، إيراني، المقاومة اللبنانية وروسيا يتصدى لمقاومة الإرهاب. وكل ما هو استراتيجي لا يعرض في بازار السياسة والإعلام، فهو ثابت لا يتغير لا مكان فيه للوساطات ولا يقبل المساومات.

هناك فرق جذري بين المحورين وتفصيله أن الجماعات الإرهابية تنفذ  أوامر الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وبالتالي فإن انتصارها يمثل خطراً يتهدد ليس السوريين واللبنانيين والعراقيين والفلسطينيين وإنما يتهدد أيضا روسيا والصين. من هنا إستنصرت الحكومة السورية ايران وروسيا. أما في موضوع المقاومة اللبنانية والعراقية، فمن المعروف للقاصي والداني أن بين سورية والمقاومة في لبنان، وربما في العراق أيضاً تواصل مستمر وفق معادلة مفادها أن سورية تقاوم مع المقاومة وهذه تحارب مع سورية.

ـ ما تسعى إليه إسرائيل وحضور الغرب إلى جانبها هو تيئيس المواطن العربي وجعله يقع في حالة إحباط، فلا يقاوم ولا يعمل استعداداً للمستقبل . هذا من شأنه أن يزيل العوائق عن التوسع  الإستعماري الإسرائيلي وعن احتواء سورية والعراق ولبنان ضمن الهيمنة الأميركية. هنا لا بد من التأكيد على أن القضية الفلسطينية هي قضية قومية، ولكن النضال الضروري من أجلها محكوم بالنسبة لسورية بإمكانياتها طبعاً وبتطهير أرضها من الإرهاب بالاضافة إلى معالجة الحالة الفلسطينية نفسها حيث ضيّع البعض البوصلة.

ـ في الإعلام: إن الجيش السوري لا يعلن عن نوع السلاح الذي يوجد في ترسانته العسكرية أو الذي يستخدمه عندما يتوجب ذلك . كل ما يقال في هذه الموضوع هو مجرد إجتهادات أو ملء فراغات إعلامية. ومهما يكن فإن التصريحات التي يطلقها أثناء الحرب الفرقاء المتصارعون لا تخلو عادة من الرسائل السياسية والعسكرية بلغة ترميزية، مرسلة إلى الخصم. هذا ما يفقدها مصداقيتها كمصدر للمعلومة الصحيحة ويجعلها غير صالحة في فهم الأمور وتحليلها.

ـ أما في موضوع  الجنوب السوري فإن الحكومة السورية ستقوم بواجبها من أجل تحرير هذا المنطقة السورية من الإرهابيين، ومن المعروف أن الأخيرين يتعرضون لضغوط إسرائيلية وأميركية لثنيهم عن الإنسحاب بموجب تسوية، كما حدث في بعض المناطق الأخرى حقنا للدماء. ويحسن التذكير أيضاً في هذه المسألة أن هؤلاء الإرهابيين قاتلوا في الجنوب السوريين كمشاة تحت تغطية مدفعية وجوية إسرائيلية كانت ترافقهم أثناء معاركهم مع الجيش العربي السُوري، فهم جيش إسرائيل كما كان «جيش لبنان  الحر» جيشاً إسرائيلياً في جنوب لبنان. فأغلب الظن أن مشغليهم سوف يستغلونهم إلى أقصى حد وبالتالي فإن تحرير الجنوب في سورية سيكون على الأرجح حرباً، إستناداً إلى أن الهدف الذي يريده الأميركيون بلوغه هو الهيمنة على القرار السوري وهذا لن تمكنهم منه الحكومة السورية مهما غلا الثمن.

لا بد هنا من إلإشارة إلى أن القرار السياسي السوري بالرد على كل عدوان إسرائيلي متخذ من حيث المبدأ منذ زمن بعيد ولكن تنفيذه متروك للقيادة العسكرية التي  تتصرف بحسب الإمكانيات المتوفرة لديها والمعطيات العسكرية التي ينبغي أن تؤخذ بعين الإعتبار، لا ننسى في هذا السياق أن  مهاجمة وسائل الدفاع الجوي كانت منذ بدايات  الحرب على رأس أوليات الجماعات الإرهابية مما يدل على وجود علاقة تربط هذه الأخيرة بالأميركيين والإسرائيليين.

لا شك في أن ما يؤلم جداً في هذه الحرب هو هذه «الكمية من اللاوطنية» التي ظهرت في المجتمع السوري، صحيح أن اللاوطنيين هم قلة قليلة ولكن وجودهم كان موجعاً لملايين السوريين. من البديهي أن هذه الظاهرة مردها إلى أسباب معقدة وكثيرة تتطلب طبعا  معالجة جدية. هذا يعني ضمنياً أن سورية بعد التحرير ستكون مختلفة عن سورية ما قبل الحرب لجهة أصلاح التربة التي أنبتت اللاوطنيين أو التي أضعفت «الوطنية» لدى البعض فانشقوا عن الوطن وحاربوا بلادهم وشعبهم نيابة عن الإسرائيليين والأميركيين في تشكيلات عسكرية وعصابات سعودية وقطرية وتركية!

ـ إن مسألة التحرير الوطني أو الذود عن حياض الوطن، ليست مسألة شخصية تتعلق بمزاج شخص الرئيس او القائد أو بحالته المعنوية والنفسانية، أنها مسألة جماعية حيث يلتحم أفرد الجماعة فيتوزعون الأحاسيس بالعنت والألم والحزن على الشهداء والفقر جراء حرق الممتلكات  وتلف الأرزاق والتشرد نتيجة التضليل والتهديم. فيصير الرئيس أو القائد على الصعيد المعيشي والعائلي فرداً من الجماعة، من ملايين السوريين  الذين هبوا للدفاع عن بلادهم، لاسعاف الجرحى، لتوصيل أسلاك الكهرباء، لإصلاح شبكة توزيع مياه الشفة، لإيواء النازحين، لمواساة عائلات الشهداء لرعاية أطفالهم ولدعم الجيش العربي السوري، لا يتعب الفرد إلا إذا تعبت الجماعة لا ييأس إلا إذا يئست الجماعة!

مجمل القول أن تحرير التراب الوطني واجب لا مفر من  أدائه، والتحرير فعل وطني جماعي يتطلب ذوبان الفرد في الجماعة. اللاوطنية موجعة جداً أثناء تعرض البلاد للغزو ومعلوم أن اسبابها معقدة وكثيرة وتتطلب المعالجة. إن المسائل ذات الطابع العسكري وعلاقاتنا بحلفائنا في محور مقاومة الإرهاب، هي أمور استراتيجية ليست معروضة في بازار السياسة، وبالتالي لا مصداقية للمعلومات المتداولة عنها مالم تكن صادرة عن الحكومة السورية وعن حلفائها.