تستوقفنا في هذه الأيام أخبار مفادها أن «الفصائل» الفلسطينية مدعوة إلى موسكو ومن المحتمل أن يـُعرّج المدعوون بالشيشان للإجتماع أيضاً بالرئيس قاديروف المعروف أنه يشارك في المبادرة الروسية العسكرية في سورية إلى التصدي لتمدد النفوذ الأميركي في سورية الذي كان مفترضاً أنه سيصل إلى حدود روسيا. يحسن التذكير في هذا السياق أن العديد من النشطاء الإسلاميين الذين قاتلوا الدولة الرّوسيّة، إنضموا الى تشكيلات وتنظيمات «القاعدة» و«داعش» وفروعهما في إطار الحلف الإسلامي الوهابي ـ الأميركي الغربي، بينما يمثل رئيس الشيشان إسلامياً نقيضاً وخصماً، لهؤلاء النشطاء، وحليفاً للدولة الروسية وربما يكون أيضاً حليفاً للأرثوذكسية ـ المسيحية أيضاً!
لا جدال في أن التدخل الروسي في سورية شكل رداً استراتيجاً على تمادي الولايات المتحدة الأميركية على رأس الثلاثي الغربي العدواني الذي بات معروفاً وظاهراً من دون قناع.
ينبني عليه أنه من الحتمل أن تكون دعوة الفصائل الفلسطينية إلى روسيا تبطن مقدمات لخطة متكاملة في مضامينها العروبية ـ الإسلامية في مقابل الخطة الأميركية التي تبلورت من خلال الحرب على العروبة إعتماداً على حلف أميركي إسرائيلي ـ إسلامي.
من البديهي أن الروس والشيشان لا ينتظرون الفصائل الفلسطينية من أجل أن يقدموا لها الهدايا والدنانير، ولكن أغلب الظن أن الغاية تتعدى حدود المساعدات الخيريّة، إلى محاولة تأسيس، أو إعادة تأسيس حركة وطنية فلسطينية مقتدرة على تأدية دور في خطة الإعتراض الروسي على الهيمنة الأميركية، على نسق النموذج الوطني السوري الذي حقق بالقطع نجاحاً كبيراً في منع الثلاثي الغربي من بلوغ أهدافه التي كان هذا الثلاثي يعتقد أنها سهلة المنال.
وفي مختلف الأحوال إن الحديث الآن عن حلول للقضية الفلسطينية لا يزال مبكراً، إذا صحّت طبعاً الفرضية المشار إليها أعلاه حول إعادة تأسيس حركة وطنية فلسطينة في سياق النتائج التي أسفرت عنها الحروب الأميركية في المنطقة والفوضى التي تسببت بها، ليس فقط في المجتمعات السورية واللبنانية والفلسطينية والعراقية، و إنما أيضاً في مكونات هذه المجتمعات وفي حدود الدول التي كانت تضمها. ما أود قوله هنا هو أن الحدود الموروثة عن القوى الإستعمارية القديمة والتي حاولت الولايات المتحدة الأميركية تغييرها لتكون ملائمة لمصالحها، ستتغير لا شك في ذلك ولكن ليس على نحو ما تريده هذه الأخيرة.
ووضعاً للأمور في نصابها السليم، لا بد من القول في الختام إن مقولة «القرار الوطني الفلسطيني المستقل»، التي كانت في الأصل غلط، قد سقطت، بمعنى أن القرار الوطني الفلسطيني ليس مستقلاً عن القرار الوطني السوري واللبناني والعراقي، وربما عن قرار إقليمي في دائرة أوسع تضم بلداناً أخرى. ومهما يكن فإن إعادة التأسيس والإعمار تتطلب تمهيداً متقناً بالإضافة إلى مراجعة دقيقة للعوامل التي أدت إلى إنهيار البنيان الذي كان قائماً أو إلى فشل تجربة نضالية تحريرية