احدث اعلان الرئيس سعد الحريري امس عزوفه عن القبول بأي تسمية لتكليفه تشكيل الحكومة الجديدة، «قنبلة سياسية» من العيار الثقيل وفق ما تصف اوساط مطلعة على مداولات الملف الحكومي. وتقول فاجأ الحريري الجميع بإسداله «الستار الحكومي» على نفسه باكراً ليؤكد ان التعقيدات كبيرة في ملف تشكيل الحكومة.

وتشير هذه الاوساط الى ان الاجواء كانت جامدة ولم تكن بهذا السوء امس الاول، وكان هناك مساع يقودها اللواء عباس ابراهيم بين مختلف المقار الحزبية والسياسية والرئاسية والدينية لتبديد العقبات امام تسمية الحريري رغم وجود اجواء سلبية داخلية وخارجية.

ومن هنا وبعد عزوف الحريري، اختلطت الاوراق مجددا وعادت الامور الى نقطة الصفر، ها هو لبنان اليوم  الغارق في ازمته المالية والمتضرر من انفجار مهول في مرفأ بيروت، امام جولة جديدة من المشاورات لاختيار اسم بديل وتأمين التوافق حوله. هذا واشارت اوساط سياسية ان الوزير وليد جنبلاط  لم يرد ترشيح سعد الحريري لرئاسة الوزراء ليس من باب الخصومة السياسية بل من باب الحرص على حد قول هذه الاوساط. بيد ان جنبلاط قال لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري  ان عدم عودته لرئاسة الحكومة في ظل وجود هذا العهد سيصب في مصلحته لان العهد والوزير جبران باسيل سيعرقلان كل خطوة سيقوم بها الحريري في مجلس الوزراء وبالتالي لن يتمكن الحريري من تحقيق مبتغاه وتطبيق مشروعه الاقتصادي للبلاد.

من جهة اخرى، التأخير في تشكيل الحكومة قد يؤدي الى اجهاض مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانيول ماكرون الذي دعا الى حكومة وحوار وطني داخلي وإصلاحات اساسية حيث رأت اوساط ديبلوماسية ان المماطلة في تأليف حكومة فعالة لهذه المرحلة الدقيقة والصعبة سترسل اشارات سلبية لفرنسا وللمجتمع الدولي الذي انفتح على لبنان بشكل تدريجي بعد حصول انفجار مرفأ بيروت.

فهل تضيع السلطة مجددا الدعم الدولي؟ وهل تضع نفسها امام مواجهة المجتمع الدولي، وبخاصة فرنسا التي اوضحت انه سيكون هناك عواقب اذا استمرت الدولة اللبنانية في اتباع النهج نفسه؟

صحيح ان الجوهر في المشاورات السياسية  ليس فقط تشكيل حكومة كيفما كان، انما التوصل لحكومة منتجة قادرة على مواجهة تحديات المرحلة الاقتصادية والمالية الصعبة. ولكن ما يظهره الزعماء اللبنانيون والاحزاب انهم لا يزالون يتصارعون على النفوذ في قلب الدولة التي تتهاوى يوما بعد يوما. ولذلك لا يبدو ان الحكومة المقبلة ستكون افضل حال من حكومة تصريف الاعمال الحالية ما دام ان المقاربة من الجهات السياسية المسؤولة للحكومة وللمواقع وللازمة المالية لا تزال نفسها.

 اللواء ابراهيم يعمل على تسريع تشكيل الحكومة وتقريب وجهات النظر

في غضون ذلك، قالت اوساط سياسية للديار ان اللواء عباس  ابراهيم سيزور مجددا دار الفتوى وعين التينة وقصر بعبدا وباقي الافرقاء السياسيين لحلحلة هذه القضية وتذليل العقبات امام تأليف الحكومة، خاصة ان تشكيل حكومة هو امر اساسي في حين ان الفراغ الحكومي سيقضي حتما على استمرارية المؤسسات وسيفاقم الوضع الاقتصادي سوءاً. والتسريع في ولادة حكومة قادرة على تطبيق اصلاحات سيخفف من حدة الاحتقان الشعبي والغضب عند الناس، خاصة بعد ان دق ناقوس الخطر حاكم مصرف لبنان انه ملزم بوقف الدعم قريبا عن القمح والمحروقات والادوية. فهل هناك وعي سياسي لمعنى اعلان البنك المركزي بوقف الدعم؟ وهل هناك ادراك ان الاولوية اليوم هي لتشكيل حكومة تلبي مطالب الشعب وليس مصالح الاحزاب والممسكين بالسلطة؟

 الرئيس عون يميل الى حكومة تكنوسياسية

بموازاة ذلك، علمت الديار بأن الرئيس عون سيدعو الى الاستشارات النيابية  السبت او بداية الاسبوع المقبل. وكشفت مصادر مقربة من قصر بعبدا لـ«الديار» ان الرئيس عون يميل الى حكومة اختصاصيين ضمن غطاء سياسي لتتمكن من العمل وتطبيق الاصلاحات، خاصة ان المرحلة الحالية تتطلب هذا النوع من الحكومات.

وفي الإطار الحكومي، عادت «نغمة» صلاحيات رئيس الحكومة السني لتطفو على السطح مع تأخير رئيس الجمهورية الاستشارات النيابية حتى تأمين التوافق على اسم الرئيس المكلف، فشددت دار الفتوى والرؤساء السابقون للحكومة على ضرورة تحديد عون لموعد الاستشارات وعدم القبض على صلاحيات مجلس النواب وتحجيم دور الرئاسة الثالثة. وتقول اوساط بعبدا لـ«الديار»، ان الدستور لم يلزم الرئيس بموعد للاستشارات وما يقوم به الرئيس دستوري وميثاقي وهمه الحفاظ على البلد وانتظام المؤسسة الثالثة عبر تأمين ظروف تشكيل حكومة جديدة سريعاً.

وأكدت مصادر مقربة من قصر بعبدا ان  الرئيس عون يريد اعطاء المجال للافرقاء السياسيين لتسهيل مهمة تشكيل حكومة، واليوم يحاول خلق جو من التوافق حول اسم رئيس الحكومة المقبل.

 زيارة ماكرون لا تزال قائمة لبيروت

حتى هذا التاريخ، لا تزال زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون قائمة في اول ايلول، وحتى الساعة لم يتبلغ  لبنان خلاف ذلك، واليوم تصل بعثة امنية فرنسية لتحضير الزيارة، وفقا لما اكدته مصادر ديبلوماسية للديار.

 القوات اللبنانية: لن نكون شهود زور  على تشكيل حكومة ستفشل حتما 

بدورها، ترى القوات ان المسألة ليست فقط تشكيل حكومة من اجل وجود حكومة بل المسألة تتمحور حول  طبيعة الحكومة التي ستتألف، لان الحكومة الاخيرة برئاسة حسان دياب زادت من حدة الازمة الاقتصادية والمالية، ولذلك يفترض ان تكون المشاورات لتشكيل الحكومة المقبلة مبنية على اساس انها حكومة انقاذ ومخرج من هذه الازمة المالية المستفحلة. وانطلاقا من ذلك، شددت المصادر الى ان القوات اللبنانية لن تقبل ان تكون شاهد زور يغطي واقعاً يؤدي حكما الى الفشل. وتابعت ان القوات طبعا لديها شروط تتمسك بها في تاليف الحكومة المقبلة لانها تعلم ان فريق 8 اذار يريد المزيد من التنازلات والمزيد من النفوذ ومن هنا سترفض القوات اي حكومة لا تتماشى مع مطالب الناس.

وقالت المصادر القواتية لـ«الديار»: «لا نخضع لما يقوله الفريق الآخر بأن لا وجود لحياديين» مشيرة الى ان الرئيس عون قال من اين نأتي بالحياديين «من الفضاء» وكان الفريق الاخر يؤيد دوما تشكيل حكومات سياسية انما تبين له ان الحياديين موجودون، وخير دليل على ذلك وزير الخارجية السابق ناصيف حتي الذي تبين انه غير مرتبط باي جهة سياسية. وعلى هذا الاساس، نؤكد وجود شخصيات مستقلة لا صلة لها باي فريق سياسي وتستمد مواقفها انطلاقا من قناعاتهم وليس انطلاقا من التزامهم بتوجهات سياسية معينة.

وحول اتهامات نسبت للقوات بانها معارضة مزيفة، ردت المصادر القواتية ان مبدأ الموالاة ومبدأ المعارضة في لبنان لم يكتملا يوما بشكل واضح وطبيعي فلم تصل الامور الى وجود  كتلة موالاة وكتلة معارضة ربما لطبيعة النظام السياسي اللبناني.

وفي هذا السياق، اكدت القوات انها منسجمة مع مواقفها ومبادئها واعتبرت ان اعلانها عن رفضها لاي حكومة تشكل في ظل 8 آذار لم ولن تتمكن بالقيام من اي اصلاح هو اكثر موقف عالي السقف لم يتبناه اي حزب سياسي اخر سوى القوات اللبنانية. وهنا تساءلت المصادر القواتية: «اذا كان هذا الموقف لا يعبر عن معارضة قوية فذلك يعني ان مفهوم المعارضة عند الاخرين ليس مفهوما صحيحا».

وشددت المصادر القواتية ان بقاء نواب القوات في المجلس وعدم استقالتهم هو موقف حكيم وصائب مشيرة الى انه في حال  حصلت انتخابات فرعية في المناطق التي استقال النواب منها ستكون طبعا النتيجة  لصالح النواب من الفريق الاخر وهذا سيزيد من امساك فريق السلطة وتعزيز قدرته داخل البرلمان.

اما عن التحقيق الدولي حول انفجار مرفأ بيروت، رأت المصادر في حزب القوات اللبنانية  ان وجود 36 محققاً فرنسياً ومحققين من «اف.بي.اي» يختلف عن تشكيل لجنة تحقيق دولية حيث ان المحققين الفرنسيين واف.بي.اي لا يتمتعون بصلاحيات للتحقيق في كيفية وصول السفينة وما هو السبب لترك السفنية لسنوات عدة ومن هو المسؤول الاداري . ولذلك رات القوات ان مطالبتها بلجنة تحقيق دولي يرتكز على اظهار الحقيقة حول من يتحمل المسؤولية في الوصول في نهاية المطاف الى هذا الانفجار والتحقيق مع التقنيين والمسؤولين ومن هو المسؤول عن هذا التقصير وما هو سبب وجود نيترات الامونيوم في المرفأ.

تحقيق انفجار مرفأ بيروت

في ملف انفجار مرفأ بيروت، كشفت مصادر قضائية لـ«الديار» ان التحقيقات باتت في مرحلة متقدمة، ولكنها مسألة وقت بفعل عدد الموقوفين الكبير والذي بلغ 26 . اذ استمع المحقق العدلي حتى الآن الى إفادة 13 منهم وابقى على مدير الجمارك الحالي بدري ضاهر والسابق شفيق مرعي موقوفين في حين يتبقى 13 آخرين ويتطلب الامر وقتاً اضافياً.

وعن التزام الحكومة بمهلة الـ5 ايام لاعلان التحقيقات، تؤكد المصادر انه كلام سياسي وكان وقتها لتنفيس غضب الناس فأي تحقيق ليكون علمي وموثق يجب ان يأخذ وقتاً وحتى الساعة لم تكتمل الصورة النهائية. وتشير الى ان التركيز جاراليوم على فرضية الاهمال والتي ابقت كل هذه المواد المتفجرة مع المفرقعات ومواد الدهانات والزيوت و«التنر» والبويا من دون ادنى معايير للسلامة. 

وتلفت المصادر الى ان التحقيق يتركز على فرضية الاهمال اذا كانت مقصودة وعندها نصبح في مكان آخر وهو القصد في القتل وتسبب الاذى او نبقى في فرضية الاهمال الوظيفي وهنا نبقى في الإطار غير العمدي.

وتشير الى ان التحقيقات التي اجراها المحققون الفرنسيون والاميركيون انتهت وسلموا نتائجها الى القاضي صوان.  ويركز التحقيق الاجنبي على فرضية الاهمال وعدم وجود ادلة على عمل تخريبي.

 في المقابل، استغربت اوساط سياسية عدم تبيان النتائج التي توصل اليه التحقيق معتبرة ان الدولة اللبنانية مرة اخرى تظهر انها غير جديرة في اجراء تحقيق جدي  وفي مصارحة المواطنين اللبنانيين بمجريات الامور. واضافت هذه الاوساط ان هذه الحالة ان دلت على شيء فهي ان القضاء ليس مستقلاً بعد ان وضع الزعماء اللبنانيين قبضتهم عليه.

وقالت هذه الاوساط لـ«الديار»: «ان انفجاراً ضخماً كانفجار مرفأ بيروت ان حصل في دولة تحترم شعبها، تدعو فورا لتحقيق جدي ولمساءلة الرؤساء والحكومات والامنيين والاشخاص المعنيين بشؤون المرفأ ولكن للاسف لا يبالي الزعماء اللبنانيين بمصير الشعب ونتيجة التحقيق لان اهتمامهم ينصب في تشكيل حكومة على شاكلتهم والحصول على اكبر حصة لهم من الوزراء».

 سلامة يرحب بالتدقيق الفرنسي  ويؤكد على ضرورة التفاوض مع صندوق النقد 

الى ذلك، رحب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة باجراء التدقيق في حسابات مصرف لبنان من قِبَل خبراء بنك فرنسا من أجل دفع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وكشف  أن «شركتين دوليّتين أجرتا تدقيقًا لحسابات مصرف لبنان منذ 1993، وتم إرسال التقارير الأخيرة لهذا التدقيق إلى صندوق النقد الدولي في بداية المفاوضات»  مشيرا الى انه من الضروري معرفة أن التدقيق الدولي موجود لتبديد الشكوك حول الطريقة التي يُدار بها مصرف لبنان. واعتبر سلامة  ان الهدف هو ان يسترد المودعون ودائعهم  انما ذلك سيتغرق وقتا وفي هذا السياق شدد سلامة على  رفضه لخفض قيمة الودائع.

وحول المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، أكد حاكم مصرف لبنان ضرورة التفاوض مع الصندوق حتى لو ادّعى البعض خلاف ذلك. واضاف انه  خلال المفاوضات، اختلفت لجنة نيابية والحكومة حول تقديرات العجز العام، وتلك الخاصة بالمصرف المركزي والمصارف: من 60.000 إلى 241.000 مليار ليرة لبنانية (أي عشرات المليارات من الدولار الأميركي) ونتيجة هذا التباين  في الارقام دعا صندوق النقد الدولي إلى إجراء تقييم واحد.

وتابع سلامة أن «النهج الذي اتبعناه يختلف عما هو في خطة الحكومة. والفارق أننا لم نعتبر من الضروري إجراء تخفيضات على مبالغ الديون التي هي بالليرة اللبنانية. كما أننا لم نأخذ في الاعتبار فروق أسعار الصرف. في الواقع، نصف الخسائر المنسوبة إلى البنك المركزي في خطة الحكومة تأتي من حقيقة أن مجلس الوزراء يغيّر سعر صرف الدولار من 1500 ليرة للدولار الواحد إلى 3500 ليرة، وهذه الخسارة هي التي لم نأخذها في الاعتبار. وبالتالي، فإن الاختلافات تعود إلى الافتراضات الأوّلية، ناهيك عن الفروقات المتعلقة بالديون المتعثّرة».

وعن اقتراب موعد وقف الدعم للقمح والادوية والوقود، اوضح حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ان المركزي لا يمكن ان يستمر في استخدام الاحتياطي الالزامي لتمويل التجارة مشيرا الى انه بمجرد الوصول الى مستوى معين من هذه الاحتياطيات فان المصرف المركزي ملزم بالتوقف عن تقديم التمويل لهذه السلع بعد ثلاثة اشهر.

الى ذلك، قال الخبير الاقتصادي سامي نادر للديار ان سياسة الدعم في لبنان لم تكن تدعم اللبناني الفقير كما يفترض لان دعم القمح والفيول والادوية استغله اصحاب الكارتيلات والمهربين والاشخاص الموجودون خارج لبنان ولذلك قرار حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بوقف الدعم للمواد الاساسية قريبا ليس بقرار سيىء. واقترح نادر اعطاء المواطنين الفقراء «كوبون» لمساعدته في هذه الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة.

واوضح الخبير الاقتصادي ان دعم الفيول يقارب 500 مليون دولار وجزء كبير من الفيول يتم تهريبه حيث لم يستفد المواطن اللبناني كما يجب، وعلى هذا الاساس  رأى ان سياسة الدعم من قبل مصرف لبنان كان يجب ان تتوقف منذ زمن بعيد  خاصة ان دعم السلع يأتي من اموال المودعين مشيرا الى ان حماية اموال المودعين اولوية ويجب عدم التغاضي عنها. وعلى سبيل المثال، قال نادر ان سحب الودائع او تحويل المال من اجل دفع اقساط الطلاب خارج لبنان ليس متوفرا بشكل يمكن تسديد الكلفة الدراسية ولذلك بين امكانية اعادة الدفع للطلاب في الخارج وبين وقف سياسة الدعم طبعا من الحكمة ان يلجأ مصرف لبنان الى وقف سياسة الدعم بما ان الاحتياطي الالزامي وصل الى مستوى منخفض.

وشدد  نادر ان لبنان بحاجة الى حد ادنى من الاستقرار السياسي ليتحسن  الاقتصاد  اللبناني داعيا الافرقاء السياسيين الى  الاستماع لنداء البطريرك الراعي بضرورة الالتزام  بالحياد الايجابي. وتابع ان الانفجار احبط الناس وزاد من نسبة الهجرة وهذا امر مؤسف ومحزن ولكن في الوقت ذاته رأى ان الدعم الدولي اراح لبنان قليلا  لكنه بدأ يتلاشى بعدما  اظهر الافرقاء السياسيون عدم استجابتهم او تعاونهم مع نصائح الرئيس الفرنسي ايمانيول ماكرون حول ضرورة تشكيل حكومة واجراء حوار داخلي وتطبيق اصلاحات اساسية.