لا تزال المُبادرة الفرنسيّة تتنفّس، بفضل تدخّل مُباشر مُستمرّ من جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تواصل هاتفيًا مع رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، والذي يُواصل تحرّكه الديبلوماسي وإتصالاته على أكثر من خط، وذلك في مُحاولة لإيجاد خرق ما يُجنّب لبنان فشل المُبادرة التي يُعوّل عليها الكثير. فهل ستنجح هذه الجُهود، وما هي آخر المَعلومات المُتوفّرة؟

بحسب أوساط سياسيّة مُواكبة لإتصالات تشكيل الحُكومة الجديدة، إنّ المُشكلة الأساس تعود إلى تردّد وإلى ضياع في الخيارات من قبل أكثر من طرف لبناني، على الرغم من الظُهور بمظهر الثبات، عازية هذا الضياع إلى عدم وُضوح صُورة المنطقة والعالم في المدى المَنظور، ليُبنى على الشيء مُقتضاه، وذلك بسبب تغيّرات جذريّة تحصل، منها بطابع تكتيكيّ ومنها بطابع إستراتيجيّ! وقالت إنّ تعثّر الأيّام القليلة الماضية كاد أن يدفع رئيس الحكومة المُكلّف الدُكتور مُصطفى أديب إلى تقديم إعتذاره عن مُتابعة مُهمّة التأليف، لكنّ تدخلاً فرنسيًا مُباشرًا حال دون ذلك. وتابعت الأوساط نفسها أنّ إتصالات الساعات الماضية والتي قد تستمرّ لفترة زمنيّة إضافيّة قصيرة جدًا، تتمّ من مُنطلق أنّ مُختلف الأفرقاء يُدركون خُطورة سُقوط المُبادرة الفرنسيّة، وإنعكاسات هذا الأمر السلبيّة على الهدوء السياسي والإعلامي الداخلي الهشّ، وخُصوصُا على الأوضاع الإقتصاديّة والماليّة والمعيشيّة المُتدهورة.

وأشارت الأوساط السياسيّة المُواكبة لإتصالات تشكيل الحكومة، إلى أنّ «الثنائي الشيعي» يعتبر أنّ رسائل الإدارة الأميركيّة المُتمثّلة بالعُقوبات المُستمرّة عليه، وكذلك بالحملات الإعلاميّة الدَوليّة عليه، والسعي لوصمه بصفة الإرهاب، بذريعة تخزينه مادة «نيترات الأمونيوم» في عدد من الدول الأوروبيّة وغيرها من الذرائع، تدلّ كلّها عن أنّ واشنطن لا تريد للبنان أن يخرج من أزمته الحاليّة، ما لم يُقدّم سلسلة من التنازلات على مُستوى كلّ من سلاح الحزب وإنتشاره على الحدود الجنوبيّة وخارج لبنان أيضًا، وكذلك على مُستوى ترسيم الحُدود البريّة والبحريّة، وبالنسبة إلى الجهات التي ستتولّى إستخراج النفط والغاز، إلخ. ورأت الأوساط نفسها أنّه في حين أنّ الضُغوط الفرنسيّة تهدف إلى إعادة تثبيت الحُضور السياسي الفرنسي في منطقة الشرق الأوسط، بعد خسارة باريس أكثر من ورقة في المنطقة، وكذلك بهدف فتح أبواب الإستثمار أمام الشركات الفرنسيّة، وفي طليعتها شركة «توتال» لإستخراج النفط والغاز، فإنّ الضُغوط الأميركيّة تندرج في سياق صراعها المفتوح مع إيران ومع كلّ «محور المُقاومة»، حيث تسعى واشنطن جاهدة لحصار حزب الله إقتصاديًا، ولإخراجه من الحُكم ومن السُلطة التنفيذيّة، بالتزامن مع شنّ حملات إعلاميّة عليه في مُحاولة لتشويه سمعته لدى الرأي العام. 

وأضافت الأوساط السياسيّة المُواكبة لعمليّة التأليف أنّ تمسّك «الثنائي الشيعي» بوزارة المال، يتمّ إنطلاقًا من رفض الرُضوخ للضُغوط الخارجيّة، ومن ضرورة تثبيت التوازنات السياسيّة والطائفيّة والمذهبيّة على الساحة اللبنانيّة في إطار الدُستور الحالي. وتابعت أنّ هذا التشدّد يتمّ أيضًا إنطلاقًا من رفض بعض المُناورات الداخليّة الرامية إلى قلب موازين القوى، وليس إنطلاقًا من أيّ مُحاصصة، بينما حجّة الرافضين لمطالب الثنائي تُركّز على أنّها ستفتح الباب واسعًا أمام تمسّك باقي القوى السياسيّة والطائفيّة الرئيسة بمناصب مُعيّنة، ما قد يُعيدنا حُكمًا إلى المُحاصصة السابقة، وبالتالي إلى إعادة تجربة الحكومة المُستقيلة برئاسة الدُكتور حسّان دياب وما قبلها أيضًا! وكشفت أنّه جرت مُحاولات لأن يكون المخرج لإنقاذ المُبادرة الفرنسيّة، أن يرفع «الثنائي الشيعي» مجموعة مُتعدّدة من الأسماء، على أن يختار منها رئيس الحُكومة المُكلّف إسمًا لوزارة المال، وأسماء باقي الوزراء من حصّة الطائفة الشيعيّة، تبعًا للحجم النهائي الذي ستكون عليه الحُكومة المُقبلة. ولفتت إلى أنّ فيتوات وُضعت على هذا الخيار من أكثر من جهة لكن من دون قطع الطريق عليه نهائيًا حتى الساعة.

ورأت الأوساط السياسيّة أنه قد يكون رئيس «تيّار المُستقبل» تصرّف بحنكة، عندما لم يُوافق على أن يتم تكليفه شخصيًا لمُهمّة رئاسة الحُكومة، حتى لا يكون لسُقوط عمليّة التكليف، وكذلك لسُقوط كل المُبادرة الفرنسيّة في حال حُصول ذلك، أيّ أضرار جانبيّة عليه، علمًا أنّ الحريري يستطيع أيضًا أن يُناور من خلف الكواليس بشكل أكبر من وُجوده كرئيس مُكلّف، وُصولاً إلى التضحية برئيس الحُكومة المُكلّف أيضًا، وذلك من دون أن يكون في الواجهة أمام بيئته أوّلاً، وأمام الرأي العام اللبناني الناقم على الطبقة السياسيّة ككلّ ثانيًا.

وختمت الأوساط السياسيّة المُواكبة لعمليّة تشكيل الحكومة كلامها بالتأكيد أنّه ما لم تظهر خلال الساعات القليلة المُقبلة بوادر حلحلة ما، فإنّ المشهد العام سيزداد سوداويّة. وكشفت أنّ إستمرار الوضع القائم لفترة من الوقت لا يزعج بعض القوى السياسيّة المحلّية والإقليميّة، كون هذه الأخيرة تنتظر ما ستؤول إليه نتائج الإنتخابات الرئاسيّة الأميركيّة التي ستتمّ في الثالث من تشرين الثاني المُقبل. وأضافت بما أنّ الرئيس الأميركيّ الحالي الجمهوري دونالد ترامب متأخّر قليلاً في نتائج الإستطلاعات الأوّلية بُمواجهة مُنافسه الديموقراطي جو بايدن، فإنّ الكثير من هذه القوى يعتبر أنّ الأسابيع القليلة الفاصلة عن موعد الإنتخابات تُمثّل وقتًا مُستقطعًا لا يجب تقديم أيّ تنازل خلاله، ما يعني بالتالي أنّه يُمكن تأجيل مسألة تشكيل الحُكومة إلى ما بعد صُدور نتائج الإنتخابات الأميركيّة!