ليس غريبا ان يشعر الثنائي الشيعي انه مستهدف في هذه المرحلة الانية من تاريخ لبنان نظرا لمواصلة واشنطن فرض عقوباتها عليه وعلى كل من يتعامل مع حزب الله تحديدا، الى جانب ازدياد التطبيع  بين الدول العربية واسرائيل. والامر الذي زاد الطين بلة هو طرح مبدأ  المداورة في الحكومة المرتقبة التي تسحب من ايدي الثنائي الشيعي وزارة المالية دون اي حوار معه رغم ان المبادرة الفرنسية لم تلحظ المداورة. فكان واضحا ان هذا الامر سيزيد التوجس من  وجود مخطط داخلي ينفذ اجندة خارجية تسعى لاخراجه وعزله من الحكم في لبنان. ولا تزال  اوساط مقربة من حزب الله تعتبر ان الرئيس المكلف لا يمكنه تجاوز رؤساء الحكومات السابقين، علما انه اكد ان لا نية له بإخراج اي فريق سياسي من الحكم، وهو متمسك بحكومة اختصاصيين. وكشفت هذه الاوساط  المقربة من حزب الله ان رئيس المخابرات الفرنسية السابق برنار ايميه طلب من الرئيس المكلف مصطفى اديب تأجيل اعتذاره عن التكليف، ذلك ان الفرنسيين باتوا مقتنعين ان من يعرقل المبادرة الفرنسية هو واشنطن عبر حلفائها في لبنان وابرزهم سعد الحريري وفؤاد السنيورة. وعليه، تمديد المهلة لتشكيل الحكومة و"تجميد " تسمية وزير للمالية من قبل مصطفى اديب ما كان ليحصل لولا التدخل الفرنسي .وهذا الامر زاد قلق الثنائي الشيعي من ان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ومعه فؤاد السنيورة يؤديان دورا سلبيا في مسار تاليف الحكومة. وفي هذا السياق، كشفت اوساط سياسية للديار ان الرئيس الحريري يعتبر ان اليوم  المعركة هي معركة استعادة صلاحية رئيس الحكومة في تشكيلها لان الطائف نص على ان الرئيس المكلف هو من يختار الوزراء ومن ثم يرفع الصيغة الى رئيس الجمهورية.  واشارت الى ان الحريري كان قد  اقترح ان تكون وزارة المالية للسنة ووزارة الداخلية للطائفة الأرثوذكسية ووزارة الدفاع او الخارجية للطائفة الشيعية.

انطلاقا من ذلك، كيف يمكن للثنائي الشيعي، وبخاصة حزب الله، ان يسلم وزارة المالية على طبق من فضة وهو يتعرض لضغوطات داخلية واقليمية ودولية؟ ذلك ان  من الطبيعي ان يتشدد  الثنائي الشيعي ويعتبر ان هناك انقلاباً سياسياً داخلياً على الاكثرية النيابية، وكلام الرئيس بري جاء ردا على الممارسات الخاطئة بقوله:«اذهبوا الى دولة مدنية او لتبق الامور على حالها وممنوع الدق بالمسلمات القائمة».

في المقابل، وبعد اتصال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بالرئيس سعد الحريري، تمنى ماكرون على الاخير تأجيل صدور بيان عن رؤساء الحكومات السابقة كان سيشدد على الالتزام باتفاق الطائف وعدم المس بصلاحيات الرئيس المكلف الذي اعطاه الطائف وحده  الحق في تشكيل الحكومة، اضافة الى ان البيان كان سيجدد رفض اعطاء وزارة المالية للثنائي الشيعي. ولكن بعد التمني الفرنسي تم تأجيل هذا البيان واعطاء المفاوضات مهلة اضافية الى جانب عدم اعتذار الرئيس المكلف، لا تزال المبادرة الفرنسية جارية والمشاورات متواصلة لحلحلة العقد امام الحكومة.

اما فرنسا فقد باتت على يقين ان واشنطن هي الجهة التي تريد اجهاض الجهود الفرنسية في لبنان، اذ اعتبرت اوساط ديبلوماسية فرنسية ان تزامن فرض واشنطن عقوبات على وزيرين لبنانيين ولاحقا على شركتين تساهمان في مساعدة حزب الله مع طرح المبادرة الفرنسية هو تأكيد لشكوكها حول عرقلة الولايات المتحدة لعملها في لبنان. و يبقى السؤال الاساسي الذي نطرحه: هل لدى فرنسا ام الولايات المتحدة والسعودية تأثير اكبر على رئيس الحكومة السابق سعد الحريري؟ وهل ستتمكن فرنسا من اقناع الحريري بالقبول بصيغة حكومية تراعي مطلب الثنائي الشيعي؟

ذلك ان فرنسا  مصممة على عدم سقوط مبادرتها وجهودها وخارطة الطريق التي وضعها الرئيس الفرنسي للبنان، وعلى هذا الاساس جاء تريث الرئيس المكلف في اعلان اعتذاره عن التكليف. والحال ان  باريس واصلت بشكل مكثف مشاوراتها في اليومين الماضيين،  وهي تعمل على تدوير الزوايا وعلى ايجاد حلول غير مستفزة للطرف السني او الشيعي . فهل سيلين الحريري موقفه ويتعاون مع الفرنسيين لتسهيل تشكيل حكومة المهمة؟

 الحزب التقدمي الاشتراكي: التفاهم  مع الثنائي الشيعي مسؤولية وطنية  

في اطار متصل، قال مصدر في الحزب التقدمي الاشتراكي ان الدستور لا يعطي اي طائفة وزارة تكون حكرا عليها مشيرا الى ان مبدأ المداورة هو نهج سليم في الاداء الحكومي . ولكن في الوقت ذاته، دعا المصدر في الحزب الاشتراكي الرئيس المكلف الى فتح باب مع الثنائي الشيعي الامر الذي لم يكن حاصلا عند بدء التأليف مشيرا الى انه من الضروري محاورة الثنائي الشيعي ومشددا على ان اي نتيجة يتم التوصل اليها يجب ان تكون ضمن نطاق التفاهم مع الثنائي الشيعي وليس بالتحدي. ولفت  المصدر الاشتراكي الى  ان معالجة توجس الثنائي الشيعي من الجو الداخلي والدولي الضاغط عليه لا يكون بادارة الظهر له بل من خلال مقاربة عاقلة وحكيمة. ذلك ان المسؤولية الوطنية تقتضي الكلام المباشر والصريح مع الثنائي الشيعي على قاعدة ان المداورة لا تستهدفه اذا تمت كما تدعو المسؤولية الوطنية الى تطمين الثنائي الشيعي ان عزله غير مطروح وانه شريك ومكون اساسي في الحكم وفي النسيج اللبناني وفقا للمصدر في الحزب التقدمي الاشتراكي.

اما من ناحية المشاركة في الحكومة المرتقبة, فقد اكد المصدر ان الحزب التقدمي الاشتراكي قرر اتخاذ خطوة الى الوراء لتأتي حكومة من اختصاصيين تستطيع مقاربة الازمة التي تعصف بالبلاد دون خلفيات سياسية و حزبية. ودعا الاحزاب الاخرى الى وجوب الاقتناع ان حكومة غير اختصاصيين اي حكومة تتكون من شخصيات حزبية لن تكون قادرة على انقاذ لبنان لان الخلافات السياسية ستتجدد داخل الحكومة.

 هل حسمت وزارة المالية للثنائي الشيعي؟

اكدت مصادر عليمة للديار ان المشاورات التي حصلت في اليومين الاخيرين ادت الى  تقدم كبير في موضوع تأليف الحكومة كاشفة ان الفرنسيين لا يمانعون اعطاء وزارة المالية للثنائي الشيعي، ذلك ان المبادرة الفرنسية تقضي بحلحلة الازمة اللبنانية وليس زيادة حدتها. واضافت هذه المصادر ان المفاوضات الان انتقلت الى مرحلة ثانية وهي تسمية الوزراء.

وفي موازاة ذلك، تلقى الرئيس ميشال عون اتصالا من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون واتفقا على بذل الجهود والمساعي لتذليل العقبات وتأمين ولادة الحكومة العتيدة ضمن اجل محدود.

 اوساط مقربة من المستقبل: لسنا الجهة  التي تعرقل ولادة الحكومة

من جهته، يظهر رئيس الحكومة السابق سعد الحريري تصميماً على عدم اعطاء وزارة المالية للثنائي الشيعي متمسكا بمبدأ المداورة وكسر الاعراف في تشكيل هذه الحكومة المرتقبة.  كما اعتبر الحريري انه لا توجد وزارة حكرا على فريق سياسي معين . وقالت اوساط سياسية ان الحريري يلقي باللوم على الثنائي الشيعي في عرقلة تشكيل الحكومة لرفضه للمداورة في حين ان معظم القوى السياسية اعلنت تأييدها لهذا المبدأ وعلى سبيل المثال رئيس الجمهورية  وبكركي والتيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي.

ويشار الى ان الحريري كان  قد اعلن يوم تسميته للرئيس المكلف مصطفى اديب انها ستكون المرة الاخيرة التي سيضحي فيها معتبرا انه ضحى كثيرا في الماضي . فهل سيستمر شد الحبال بين تيار المستقبل ورؤساء الحكومات السابقين من جهة والثنائي الشيعي من جهة اخرى الى اجل غير محدد ؟

 القوات اللبنانية: اضاعة الفرصة الفرنسية الذهبية جريمة بحق لبنان وشعبه

بدورها، قالت مصادر في حزب القوات اللبنانية انه علينا باستمرار النظر الى العراقيل المعلنة والتعامل معها لتذليلها. واليوم ما هو معلن ويحول دون تاليف الحكومة هو ان فريقــاً يضــرب كل مبــدأ المداورة رغــم ان رئيــس الجمهورية اعرب عن تأييده للمداورة وباقي القـوى السياسية. ولذلك لا يمكن ان نقول ان واشنطن من تعرقل مل دام لم نلمس شيئاً فعلياً على الارض من جانـبها.

 وتابعت ان ما يحصل يدل الى وجود فريق اوحد في لبنان، وهو الثنائي الشيعي، يرفض المداورة وبالتالي هو يتحمل عرقلة ولادة الحكومة دون اخذه بالاعتبار ان لبنان يمر بمرحلة استثنائية وخطرة جداً. واضافت ان جل ما نقوله في هذه المرحلة انه يجب تجاوز كل الاشكاليات، وهذا ما ركز عليه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بان لبنان في مرحلة انهيار ما بعد انهيار في ضوء قدرة لبنان على الصمود مع رفع الدعم على المواد الاساسية من قبل مصرف لبنان، والى جانب التراجع المتسارع في الوضع الاقتصادي . وهنا اعربت المصادر القواتية عن اسفها لتمسك بعض القوى السياسية بمراكز نفوذ ولتعاملها  كأن لبنان في احسن احواله، انما الواقع هو عكس ذلك حيث ان الدولة اللبنانية مهددة بالزوال في حال لم تتشكل حكومة في اسرع وقت ممكن.