ليس عابرا السجال الذي اندلع الاحد بين البطريرك الماروني بشارة الراعي والمجلس الشيعي الاعلى. فالتراشق بين المرجعيتين بلغ مستويات غير مسبوقة تهدد بأزمة طائفية لا تزال القوى السياسية تعمل على استيعابها بترددها بالتعليق على ما يحصل تجنبا لتبلور اصطفاف طائفي يؤدي الى ما لا تحمد عقباه.

فاذا كان موقف القوى السياسية الشيعية المتمثلة ب«الثنائي»، «أمل» وحزب الله معروفا وعبر عنه بوضوح بيان المجلس الشيعي، فان موقف «التيار الوطني الحر» غير المتبلور والمكتمل هو الذي يحول حتى الساعة دون اخذ الموضوع طابعا طائفيا محض، من منطلق ان «القوات اللبنانية» و«الكتائب» يصطفان ومنذ دعوة الراعي الى الحياد، كليا الى جانب بكركي بعد سنوات من التباعد والبرودة في العلاقات، اما العونيون الذين لم يؤيدوا «الحياد» بالمطلق هم اليوم وبالرغم من تناغمهم كليا مع رؤية البطريرك للازمة الحكومية الحالية يتفادون الاعلان عن ذلك صراحة مراعاة لحزب الله ولما يقولون انه تمسك بمبدأي الشراكة والتعايش.

وليس اصلا ما ذكره رئيس «التيار» جبران باسيل في مؤتمره الصحافي الاخير بقوله ان «الدستور واضح بعدم تكريس وزارة لطائفة. امّا اذا كان الهدف هو تكريس التوقيع الثالث فهذه مثالثة ونحن نرفضها حتماً»، الا موقف الراعي نفسه الذي عبر عنه بوضوح في عظة الاحد، وان كان بصياغة اخرى. وليس خافيا ان العونيين ليسوا متحمسين على الاطلاق لاستعادة الرئيس بري وزارة المال، في ظل المعلومات عن «فيتو» لدى رئيس الجمهورية في هذا المجال لا يعبر عنه صراحة في المرحلة الراهنة من منطلق تركه الكباش بين بري ورؤساء الحكومات السابقين وبين «الثنائي» والاميركيين متجنبا بذلك الخوض بكباش مباشر مع عين التينة لن يرضي حارة حريك، طالما الهدف الذي يسعى اليه قد يتحقق من خلال معركة اخرى لن يكون عليه عناء تكبدها.

وبحسب المعلومات، يتفادى «الوطني الحر» كسر الجرة مع حزب الله من خلال فتح المعركة مع بري، وان كان الكثير من القياديين العونيين قرروا فتحها، سواء بايعاز مستتر من قيادتهم او من تلقاء أنفسهم. حتى ان العديد من المحازبين لم يترددوا اخيرا خلال مشاركتهم في نشاطات مختلفة بالاعلان صراحة ان «وجهة اي ساع لمحاربة الفساد والفاسدين يجب ان تكون عين التينة وليس قصر بعبدا».

ويبدو ان القوى السياسية المسيحية تفضل ان يبقى البطريرك الراعي رأس حربة المواجهة الحالية مع «الثنائي» رغم الحساسيات الطائفية التي قد يخلقها ذلك. ف«القوات» وكما كانت دائما ليس بصدد الدخول بمواجهة مباشرة مع الرئيس بري، كما ان العونيين، وكما ذكرنا، لا يريدون كسر الجرة مع حزب الله وان كانوا قاموا في الفترة الاخيرة بأكثر من خطوة لاظهار نوع من المسافة بينهما خوفا من سيف العقوبات المسلط على رقابهم. وتعيد القيادة العونية حساباتها وتحاول اعتماد سياسة الابتعاد عن المشهد حتى مرور العاصفة. فباسيل يتفادى احراق ما تبقى بين يديه من اوراق تسمح له بخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويعي تماما ان ادراجه على لائحة العقوبات سيعني انعدام حظوظه. وهو يعتبر نفسه حاليا متقدما على رئيس «المردة» سليمان فرنجية خاصة بعد ادراج يوسف فنيانوس على اللائحة الاميركية برسالة واضحة لزعيم بنشعي. فبالرغم من العلاقة المميزة التي تجمعه بعدد من السفراء والمسؤولين الاميركيين، لم يتمكن فرنجية من تجنب سيف العقوبات بعدما قرر الاميركيون خوض المواجهة المفتوحة مع الحزب ومع كل من يدعمه ويؤيده.