تأخر الرئيس سعد الحريري حوالي الأسبوعين ليتجرع السم، كما قال والموافقة على اسناد وزارة المال للطائفة الشيعية لمرة واحدة، وأن لا تتحول الى عُرف.

ومن يتجرع السم، يعني الانتحار أو الموت البطيء، كما في حالة الرئيس الحريري السياسية، التي أفقدته جزءاً كبيراً من شعبيته، وهو ما يصرّح به، كما أن المحيطين والمقربين منه، ابتعدوا عنه، أو هو أبعدهم، بسبب خياراته السياسية، التي كان يأخذها على عاتقه الشخصي، ويبررها ما كان يردده والده الرئيس رفيق الحريري «ما في حدا أكبر من بلده».

فما أقدم عليه رئيس «تيار المستقبل» كان مرغماً، وفق ما تقول مصادر سياسية، اذ هو في وضع محشور وصعب،  أن لا يساعد على تنفيذ مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، الذي لم يبخل في مساعدته، عندما أخرجه من الاحتجاز في السعودية قبل نحو عامين عندما فرض عليه تقديم استقالته من رئاسة الحكومة في 3 تشرين الثاني 2018 من الرياض، وبات عليه دين لماكرون، جاء وقت التسديد، في دعم مبادرته لتشكيل حكومة يريد لها مهمة الإصلاح المالي والاقتصادي، والدفع نحو تنفيذ ما تم عليه الاتفاق في مؤتمر «سيدر» في العام 2018، بتقديم قروض وهبات بنحو 11,5 مليار دولار لمشاريع استثمارية في لبنان، تسبقها إصلاحات تقوم بها حكومة لبنانية يريدها ماكرون أن تكون أسماء موثوقة ومن اختصاصيين ومستقلين.

لذلك قدم الحريري تنازله مسموماً، وتحرر من الضغط الذي مورس عليه من الرؤساء نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام، أن لا يقدم على خطبته بإسناد وزارة المال لشيعي، فيكون خضع لـ «حزب الله» وحركة «أمل»، وهو مدين لهما بترشيحه دائما لرئاسة الحكومة كما في الوقوف الى جانبه بعد احتجازه في الرياض، اذ تشير المصادر الى ان الحريري قدّم «لبن العصفور» للرئيس نبيه بري الذي تلقى بإيجابية ما صدر عن الحريري واعتبر موقفه خرقاً في جدار أزمة تشكيل الحكومة. لكن «الثنائي الشيعي» تحفّظ على أنها لمرة واحدة وليست عرفاً واقتراح الاسم لا يعود اليهما بل للرئيس المكلف مصطفى أديب الذي يبقى صامداً لا يتحرك باتجاه الكتل النيابية وهو مأخذ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عليه.

فالحريري حلها مع الرئيس الفرنسي، ولاقى تشجيعاً من الخارجية الفرنسية، ورمم علاقته مع «الثنائي الشيعي» لكنه لم يحسب حساباً لرئيس الجمهورية الذي أصدر بياناً يوضح فيه، أنه هو من يشكل الحكومة بالاتفاق مع الرئيس المكلف، وليس بالاتفاقات السياسية الثنائية، ملمحاً الى أن القبول بما يريده «الثنائي الشيعي» سيتمدد نحو التمثيل المسيحي أيضاً ومثله على باقي الطوائف، ومن ضمن الدستور الذي يفرض توقيع رئيس الجمهورية على مراسيم الحكومة، وهو سيستخدم صلاحياته اذا لم يكن موافقاً تقول المصادر، وهذا ما سيتسبب بعقدة جديدة، اذ يرى الرئيس عون أن اسقاط المداورة في توزيع الحقائب الوزارية، واسناد وزارة المال للشيعة، هو ضرب لمبادرته التي دعا فيها الى تحرير المقاعد الوزارية من التوزيع الطائفي حتى للوزارات السيادية.

فأزمة تشكيل الحكومة ما زالت تراوح في مكانها مع اصطدام المبادرات ببعضها، ولا يجمعها قاسم مشترك سوى أن الحريري، وتحت شعار التضحية وصون الاستقرار في لبنان، يكرر التسوية الرئاسية، التي أنهت الفراغ والشغور في رئاسة الجمهورية لكنها أسست لمحاصصة بين تيارين سياسيين «المستقبل» و«الوطني الحر»، ولاقى رفضاً من حلفاء الحريري أولاً، الذين رأوا في التسوية تسليم المؤسسات لـ«حزب الله» وحلفائه الذين حصلوا على أكثرية نيابية بقانون انتخاب سهّل الحريري صدوره، تقول المصادر، التي ترى بأن رئيس «كتلة المستقبل» بات محاصراً من بيئته السياسية، وعبّر عن ذلك بيان رؤساء سابقين رفضوا المبادرة، إضافة ما صدر عن العاهل السعودي الملك سلمان في كلمته أمام الأمم المتحدة بتحميل «حزب الله» مسؤولية ما يحصل في لبنان، وهذا سم جديد سيتجرعه الحريري!