وليد جنبلاط قال : أي شخص يفكر بمغامرة عسكرية هو مجنون ...

هذا الكلام الخطير لا يقال لا من قبيل الفانتازيا السياسية، ولا من قبيل الفانتازيا الاعلامية. تحذير صارخ لمن لا يزال يعتبر أن بالامكان، وبمؤازرة قوى خارجية، القيام بعملية جراحية تعيد تشكيل المشهد اللبناني .

كلام رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي فاجأ (وصدم) الكثيرين. ايضاً، لم يفاجئ (ولم يصدم) الكثيرين. لدى جهات سياسية، ومؤثرة، معلومات دقيقة، وموثقة، حول ما جرى من اتصالات على امتداد العام الحالي، بين قوى لبنانية وعواصم عربية، واقليمية، ودولية، لاعداد سيناريو التفجير كونه السبيل الوحيد، والأخير، لازاحة «حزب الله» عن المــسرح والدخول في المسارات الاستراتيجية للمنطقة .

في المعلومات أنه مثلما لم تتمكن القوى الخارجية (العربية بوجه خاص) من الاتفاق على الصيغة البديلة في سوريا، لم تتمكن من الاتفاق على الصيغة البديلة في لبنان. هذا ما يدركه الفرنسيون. لهذا أكثروا من ابداء الخوف من زوال الدولة التي صنعوها منذ مائة عام ...

الفرنسيون اعتبروا، أيضاً، أن أي حرب داخلية، واياً كان الشكل، أو المنحى، الذي تأخذه لا بد ان تفضي الى اندثار المسيحيين على الخريطة المشرقية .

المثير هنا أن أصحاب القوة العسكرية (الهائلة) هم، بالمطلق، ضد أي صدام عسكري. شخصية لبنانية سمعت من مسؤول كبير في دولة عربية كبرى قوله «بعدما تناهى الينا ما يجري تحت السطح عندكم، اخشى أن أفاجئك بالقول ان «حزب الله» قد يكون الجهة الأكثر دفاعاً عن وجود لبنان» !

الكلام نقــله الينــا زمــيل بارز في الدولة العربية اياها. المسؤولون هناك لم يكتفوا باسداء النصيحة تلو النصيحة الى المرجعيات اللبنانية، بل انهم ثابروا على اطلاق التحذير تلو التحذير من أي مغامرة عسكرية لا بد من أن تؤدي الى سقوط الجميع .

في نظرهم أن لبنان، والرغم من تميزه في مجالات شتى، لا يمتلك امكانات جغرافية، وديموغرافية، تمكنه من استيعاب الصدمات والصدامات، ودون أن يكون بالمستطاع البحث في الكانتونات على أساس طائفي، على غرار الكانتونات السويسرية بتشكيلاتها الاتنية .

خلال العام، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، زاد الرهان على اندلاع المواجهة بينها وبين ايران، باعتبار أن أكثر من رسالة وصلت من واشنطن الى بيروت بأن دونالد ترامب بحاجة الى ذلك الصدام للحد من التراجع الدراماتيكي في الأرقام التي تأتي بها صناديق الاقتراع. حتى أن مؤسسة «راسموسن ريبورتز» التي طالما وقفت الى جانبه نشرت ما دعي بـ «الأرقام المنكسرة»

في استطلاعات الرأي.

لم تكن الدولة العربية الكبرى وحدها التي حذرت من اي صدام دموي. فرنسا حذرت من أي صدام، والى حد ابداء الهلع من طريقة تعاطي بعض الشخصيات، أو بعض القوى السياسية، مع الوضع.

وكانت الاستخبارات الفرنسية قد لاحظت أن هناك من طرح فكرة الاستعانة بفصائل فلسطينية مسلحة لاقفال طرقات محورية، وكذلك فكرة تشكيل خلايا من النازحين السوريين القريبين من التنظيمات الاسلاموية، على غرار «داعش» و«النصرة»، وبعشرات الآلاف .

الفرنسيون نصحوا بعدم الذهاب بعيداً في الرهان على الأميركيين الذين قد يمدون اليد الى «حزب الله» بعد أن يصلوا الى نقطة النهاية في مسلسل العقوبات، وفي مسلسل المواجهات. يفترض النظر الى كيفية تعاطيهم في أفغانستان، بعد عقدين من الصراع العسكري، واخفاقهم في استيعاب «حركة طالبان» التي يعقدون معها مفاوضات من أجل الانسحاب من هناك .

ماذا أراد جنبلاط من وراء كلامه الخطير، وقد كشف ما كان خفياً عند البعض ومعلوماً عند البعض الآخر ؟

لا مجال لأي دونكيشوت على الأرض اللبنانية. هنا لا حرب ضد طواحين الهواء. اياكم واللعبة الاسرائلية أو اللعبة التركية، أو أي لعبة أخرى من مضارب العرب!!