لا شك أننا لا نعاني فقط من أزمة رجال دولة، ومن أزمة دولة. أزمة ما بعد الدولة. أين الدولة...؟

هزات بنيوية عند كل مفترق. كل التجربة السابقة تعثرت وتبعثرت. الشظايا في كل اتجاه. شظايا بشرية، وشظايا سياسية، وحتى شظايا تاريخية أو ايديولوجية. أي تسوية بين الأقنعة، وما وراء الأقنعة؟

موريس دوفرجيه، عالم السياسة الفرنسي الشهير، تحدث، ابان الجمهورية الرابعة، عن أزمة مفاهيم. فرنسا بدت في تلك الأيام، كما لو أنها على أبواب حرب أهلية، أو عشية انقلاب عسكري. القضية الجزائرية بمثابة كرة النار تتدحرج بين الاليزيه والماتينيون.

قال «الزلزال على المائدة». كيف لدولة أن تبقى اذا ما بقيت رهينة الذئاب، أو رهينة الديناصورات؟

هكذا دخل رجل آت من التاريخ. أندريه مالرو كتب «أنظروا الى قدميه... أليستا قدمي التاريخ؟». شارل ديغول أعاد الدولة الى فرنسا، مشى فوق الركام نحو الجمهورية الخامسة. بنبرة بونابرتية قال «انا فرنسا وفرنسا أنا». هل من سياسي لبناني يقودنا الى الجمهورية الثانية (أو الثالثة)؟

لا تنتظروا رجلاً يأتي من التاريخ، انتظروا رجلاً يهبط علينا من المدخنة....

أين هو التاريخ في لبنان؟ وأي تاريخ للبنان؟ وثيقة الطائف كانت أقرب الى مفهوم الصفقة منها الى مفهوم البنية الفلسفية للدولة. هنا... المتاهة الدستورية !

الأصل (سعد الحريري) لا الظل (مصطفى أديب) هو الذي يسعى الى تشكيل الحكومة. من منا يعلم ما يجري في الأروقة، أو في الأقبية، التي هنا والتي هناك؟ قيل لنا كل ذلك الصراخ الذي يشبه «صراع الأزقة»هو صراخ مبرمج. في آخر المطاف، لا بد من حكومة عجيبة، أو عجائبية، تتولى الأشباح صياغة كل تفاصيلها وكل... مفاتنها.

غالباً ما نلجأ الى مأثورة برنارد لويس «الشرق الأوسط عربة عتيقة تجرها آلهة مجنونة». علامات الاستفهام (بقاماتها الرمادية) على كل الأبواب في المنطقة. لا أحد يعلم الى أين نحن ذاهبون. أوبير فيدرين كتب «حتى لعبة الأمم لم تعد ممكنة في هذا الهباء». ألسنا جزءاً من هذه الهباء حين تتقطع السبل بأهلنا العرب، ولا يجدون ملاذا ألا في حقيبة دونالد ترامب؟

لنفترض أن القادة عندنا اتفقوا، في لحظة التجلي أو في لحظة التخلي، على عقد مؤتمر تأسيسي. تعالوا نستخدم خيالنا ونتصور كيف يمكن أن يكون شكل الدولة البديلة. حتى الخيال يتداعى حين نكون أمام هذه الغرنيكا...

بشكل أو بآخر، كلنا في السلة الأميركية. المصيبة أن دونالد ترامب يريدنا في السلة الاسرائيلية. رقصة التانغو مع العصا أم رقصة التانغو مع الثعبان؟

كثيرون خائفون على رؤوسهم من أميركا. ها أنهم يطأطئون رؤوسهم بشكل أو بآخر. اذ تقترب البلاد أكثر فأكثر نحو النهاية، البعض ينصح بالبقاء داخل الثلاجة الى ما بعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.

في ظنهم أن الأمبراطورية ستكون أمام أزمة لم تشهد لها مثيلاً منذ الحرب ضد الانفصاليين (1861ـ 1865) التي قادها ابراهام لنكولن، وقد اختلف المؤرخون حول ما اذا كان يهودياً من مدينة لنكولن الأنكليزية أم مسلماً من «الميلونجونس» الذين هاجروا من الأندلس.

في هذا السياق تتم قراءة اصرار الرئيس الأميركي على تعيين ايمي كوني باريت عضواً في المحكمة العليا عشية الثلاثاء الكبير. الثابت أنه اذا ما أظهرت الأرقام سقوطه في صناديق الاقتراع، لا بد أن يثير اشكالات، واشكاليات، دستورية شابت العملية. في هذه الحال، الأكثرية في المحكمة العليا ستقف الى جانبه.

رئيس حكومة سابق، وهو عضو في الترويكا اياها، قال، في جلسة مع زائر خليجي بارز، «سعد يحاول أن يعود الى السرايا من ثقب الابرة» للدلالة على أن ثمة جهات خارجية وداخلية ترفض عودته.

الكوميديا لا بد أن تنتهي بتشكيل حكومة. الفرنسيون قالوا للحريري : الطريق أمامك ليس معبداً بالورود، لكنه... الطريق!!