180 درجة هو حجم التحول السياسي الذي طرأ على المشهد السياسي بعد تكليف سعد الحريري رئيسا للحكومة وانتقال القوى السياسية من مقلب الى آخر. على عكس ما أوحت به مرحلة ما قبل التكليف، فالمؤشرات جميعها تدل اليوم على ان الأمور تتخذ منحى آخر مختلفا في التأليف قياسا على الايجابية التي طرأت على العلاقة بين الرئيس المكلف سعد الحريري وكل من رئيس الجمهورية و رئيس تكتل لبنان القوي على اثر توافر معطيات دفعت النائب جبران باسيل للتراجع عن قرار عدم مشاركته في الاستشارات النيابية وحتمت ترؤسه الوفد العوني الى ساحة النجمة.

واذا كان التقارب بين الحريري - باسيل جرى وفق الاعتبارات الذاتية للطرفين وعلى وقع التحولات على الساحتين الداخلية والخارجية ربطا بالتهدئة الحاصلة على المحاور الساخنة في المنطقة، فالواضح ايضا ان الاطراف السياسية الأخرى تأثرت بالمتغيرات ونزل «الجميع» عن الشجرة التي صعدوا اليها انصياعا للتسوية.

تؤكد مصادر سياسية ان التأليف يسير بمسار مغاير عن التكليف وكأن «ما كتب قد كتب» في موضوع التأليف انطلاقا من حاجة الجميع للالتحاق بالتسوية الجديدة في سياق انجاز حكومة تنتشل البلاد من الانهيار حيث لا أحد قادر على تحمل تبعات الأزمة اللبنانية.

حاجة الرئيس المكلف لانتاج حكومة تفرض عليه تدوير الزوايا، يمكن كما تقول المصادر ان يضطر الحريري الى شرب كأس سم التكليف أكثر من مرة في التأليف ملزما على اقامة توازن بين مطالب الداخل والخارج وهو مثلا بحاجة الى التفاهم مع حزب الله قبل مباشرة التفاوض مع الصندوق الدولي، كما لا يمكنه ايضا ان يستثني اي طرف داخلي في عملية التنسيق والتشاور الحكومي.

فائض القوة لدى الحريري ليس من «عندياته» بل من خلال تلاقي مصالح في الداخل تحتم الاسراع في التشكيل، اذ تؤكد المعلومات ان الرئيس المكلف يسعى لانجاز التشكيلة قبل الانتخابات الأميركية ولا يريد تكرار تجربة حكومة مصطفى أديب والدخول في متاهات تحديد المواعيد او الخضوع للبازارات السياسية.

حماسة الحريري تلتقي مع تسهيلات من قبل الثنائي الشيعي وتكتل لبنان القوي ووفق ما هو متداول في الكواليس فان الثنائي «حث» نوابا من خارج تكتلاته للتصويت للحريري، اما رئيس تكتل لبنان القوي فسجل الانتقال الاكبر فأسقط باسيل معادلته الشهيرة «انا والحريري داخل الحكومة او خارجها» وانتقل الى القبول بسياسي على رأس حكومة اختصاصيين متراجعا عن لاءات كثيرة رفعها قبل ساعات من تكليف الحريري بناء على معطيات وصلت الى باسيل حتمت عليه ركوب بوسطة التسوية مع الحريري مجددا، خصوصا ان رئيس تكتل لبنان القوي بعد أحداث 17 تشرين وانهيار التسوية الرئاسية فقد اليوم قدرته التعطيلية التي كانت موجودة في الاستحقاقات الماضية وعند تأليف الحكومات.

حزب الله ايضا يضع السلم الأهلي والاستقرار على رأس أولوياته في الداخل وان كان حزب الله يحاول ان ينأى بنفسه عن المشهد الحكومي من خلال عدم تسمية الحريري الا ان دوره كان واضحا في دعم التكليف ومده بأصوات القومي واللقاء التشاوري كما في اعادة وصل ما انقطع بين ميرنا الشالوحي وبيت الوسط من خلال ضمان مشاركة التيار في المشاورات الحكومية وفق المعايير الموحدة بين كل الاطراف.

على الرغم من كل السيناريوات المتداولة فان المطابخ السياسية المغلقة تؤكد ان التركيبة الحكومية شبه منجزة والسير الذاتية جاهزة من قبل التكليف وان التهدئة في المنطقة انعكست ايجابا على التفاهمات بين الأطراف، حيث سيكون شكل الحكومة صادما لكثيرين اذ تتحدث السيناريوهات عن تكرار تجربة وزيرين في المالية بحيث يتولى الرئيس المكلف سعد الحريري حقيبة المالية الى جانب رئاسة الحكومة فيما يعين وزير الشؤون المالية من الحصة الشيعية بحيث يوكل الى الحريري ابرام الاتفاقات مع المجتمع الدولي والاتيان بالمساعدات وأموال الصناديق على غرار تجربة التسعينات حين كان الرئيس رفيق الحريري رئيسا للحكومة والرئيس فؤاد السنيورة وزير دولة لشؤون المال، وهذا السيناريو الذي يتم التداول به في بعض الصالونات يحافظ على الايجابية التي طغت على الاتصالات ويحل العقدة الشيعية التي يرفض الثنائي الشيعي تركها من العام 2014 متمسكا بالتوقيع الثالث في الجمهورية، الأمر الذي قد ينسحب على تقسيم وزارة الطاقة خصوصا انها ستكون الوزارة الأبرز في المرحلة المقبلة ربطا بترسيم الحدود والتنقيب على النفط والغاز.