أشارت جهات سياسية فاعلة، إلى أن زيارة الموفد الرئاسي الفرنسي باتريك دوريل إلى بيروت لم تأتِ بأي جديد يذكر، لا بل ينقل عن دوريل أن لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين كانت صادمة، ولا سيما مفاجأته بحجم الخلافات والإنقسامات العامودية بين المكوّنات السياسية المحلية، ومن ثم أن ما قيل للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بأن القوى السياسية والحزبية التزمت بتعهداتها تجاه المبادرة التي كان قد أطلقها، فذلك مغاير للحقائق التي ظهرت أثناء لقاءاته السياسية، وبالتالي، ثمة أجواء تشير بأن الأمور حول تأليف الحكومة عادت إلى الوراء، وليس هناك من مؤشّرات تدلّ بأنها ستبصر النور، وربما عادت إلى المربّع الأول، في ظل الإخفاقات التي تحيط بعملية التأليف من قبل غالبية الأطراف المعنية.

وفي هذا الإطار، علم أيضاً أن دوريل، الذي حمل معه إلى الإيليزيه تقريراً مفصلاً، غادر بيروت وفي جعبته الكثير لما سيدلي به خلال الإجتماع الذي سيعقد في الإيليزيه لخلية الأزمة المنوطة بالوضع اللبناني، بما في ذلك تشكيل الحكومة العتيدة، وعلى هذا الأساس، فإن الساحة الداخلية ستعود إلى التصعيد السياسي على أكثر من خلفية مرتبطة بالوضع الحكومي، وبما يحصل في المنطقة من تصعيد سياسي وميداني، ولا سيما في ظل المتغيرات في عدد من الدول، وبعد عودة التصعيد العسكري في قطاع غزة مع «إسرائيل»، وكل ذلك يأتي قبيل تسلّم الإدارة الأميركية الجديدة لمهامها، ما يعني أن لبنان بات ضمن لعبة الأمم.

وفي الوقت عينه، ووفق أجواء مطلعة، هناك مساعٍ سيقوم بها خلال هذا الأسبوع، رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وينقل عن الدائرة الضيقة المحيطة به بأنه بدأ يتواصل مع المعنيين، فبعد لقائه برئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، يرتقب أن يلتقي بالرئيس المكلّف سعد الحريري، ولا يستبعد أن يحصل لقاء بينه وبين رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، بغية إعادة تدوير الزوايا، ولكن تبقى المبادرة الفرنسية هي الأساس لجملة اعتبارات، إذ أن عدم الإلتزام بمضمونها يعني أن لا دعم للبنان ولا مؤتمر دولي الذي كان من المقرّر أن يعقد الشهر المقبل، وعلى هذه الخلفية، فإن جميع المسؤولين اللبنانيين، وعلى الرغم من خلافاتهم وانقساماتهم وعدم توافقهم على أي صيغة لإنتاج حكومة جديدة، فإنهم في الوقت عينه، محشورون ربطاً بهذا الإنهيار الإقتصادي والمالي والإجتماعي، ويعلمون أنه لا مجال لخروج البلد من أزماته إلا بدعم دولي ومؤتمر للدول المانحة لانتشاله من معاناته.

وفي غضون ذلك، وأمام هذه الأجواء الضبابية التي يجتازها البلد، وأمام الإخفاقات حول التأليف، ينقل عن مرجع سياسي بارز، أن البلد بات محكوماً بسقف الوضع الإقليمي المأزوم، ولا يمكن اتخاذ أي خطوات على مستوى كبير قبل معرفة عناوين أساسية تبدأ من وضوح الرؤية في الولايات المتحدة الأميركية على صعيد الإدارة الجديدة، وكذلك ما ستؤول إليه عمليات التطبيع في المنطقة، ومن ثم الترسيم البري والبحري بين لبنان والعدو الاسرائيلي، وبالتالي، يجب قراءة الوضع المستجدّ في قطاع غزة، والذي سيكون بمثابة رسالة إقليمية للإدارة الأميركية الجديدة وقد يحصل هذا التصعيد في مكان آخر وربما في سوريا ولبنان.

لذلك، هناك تمهّل في تشكيل الحكومة على خلفية هذه الأوضاع على الرغم من أن الأطراف السياسية الأساسية برمّتها دخلت لعبة المحاصصة وتناتش الحصص، وفي المحصلة، فإن الحكومة بحاجة إلى دفع سياسي محلي والأهم توافق دولي على أن يكون للبنان حكومة في أقرب فرصة، وهذا يأتي من خلال الضغط على كافة الأطراف المعنية، والتي تعمل على التأليف، ولكن حتى الساعة يمكن القول أن هذه الحكومة لا ملامح لها في المدى المنظور.