خلال أقل من عام اصطدم رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان، مع وزراء العهد والتيار الوطني الحر، والمحسوبين عليهما، أكثر من مرّة، على خلفيات الخطة الحكومية المالية والتفاوض مع صندوق النقد الدولي، وأخيراً حول مسألة التدقيق الجنائي في مصرف لبنان.

مشكلة كنعان هذه المرّة كانت مع وزيرة العدل المحسوبة على الرئيس ميشال عون، ماري كلود نجم، مشكلة خرجت إلى العلن على شكل تغريدات متبادلة، حملت ما يكفي لتبيان حجم الخلاف الكبير داخل التيار الوطني الحر، خصوصاً، بعد تدخّل نواب التيار لمؤازرة زميلهم، فما هي الخلفيات؟

تشير مصادر سياسيّة مطّلعة إلى أن الخلاف بين كنعان وماري كلود نجم بدأ منذ فترة، وليس وليد الأيام القليلة الماضية، ولكنه خرج إلى العلن بعد إتهام نجم لكنعان عبر حديث إذاعي بارتكاب جريمة بحق اللبنانيين، في قولها: «هناك جريمة بحق الشعب اللبناني بالعرقلة إرتكبها كل شخص يقول لا نستطيع القيام بتدقيق مالي جنائي على حسابات مصرف لبنان من دون تعديل القانون، وأحمل رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان المسؤولية في هذا الصدد».

إن هذا الكلام دفع كنعان للردّ، خصوصاً أنه الرجل الذي كان قد أبلغ رئيس الجمهورية بضرورة تعديل مادة قانونية في قانون النقد والتسليف لسحب كل الذرائع التي يتذرع بها مصرف لبنان لعدم تسليم كامل المستندات إلى الشركة التي تقوم بالتدقيق، وتشير المصادر إلى أن حاكم المركزي رياض سلامة أكد مراراً أن العقد مع شركة ALVAREZ & MARSAL للتدقيق المالي الجنائي، الموقّع في أيلول الماضي، ينص على أن تطبيقه يجب أن لا يتعارض مع القوانين، وأحد هذه القوانين الأساسية هو قانون النقد والتسليف الذي يمنع المصرف المركزي من تقديم مستندات تتعارض مع مبدأ السرية المصرفية.

وتضيف المصادر: «قبل توقيع العقد مع الشركة فاتح وزير المال غازي وزني المعنيين بأن عمل الشركة بالتدقيق قد يستوجب تعديل قوانين، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة إيجاد حلول وسطية بين عمل الشركة وبين السرية المصرفية لأن نزع السرية يضرب روحية النظام الإقتصادي اللبناني، ولكن يومها كان السعي لتوقيع العقد بسرعة نظراً لحجم الضغط الذي كان ملقىً على عاتق الحكومة ورئيس الجمهورية، فسار وزير المال بالعقد بعد أن نال نصيبه من الإتهامات بتعطيل التدقيق الجنائي».

تكشف المصادر أن ابراهيم كنعان أبلغ رئيس الجمهورية بضرورة تعديل القانون لكي يسير التدقيق الجنائي في المسار الطبيعي، ولكن وزيرة العدل لا تزال مصرّة على أن العقد كما وقعته الحكومة هو الأفضل، ولا يحمل ثغرات يستطيع من يرفض التدقيق أن يتذرّع بها، وتقول بأنه قابل للتطبيق دون تعديل أي قوانين.

تؤكد المصادر أن قانون النقد والتسليف بشكله الحالي يضم بعض المواد التي تتعارض مع ما يطلبه التدقيق الجنائي، مشيرة إلى أن اقتراحات التعديل ستبصر النور قريباً ويتم تحضيرها في تكتل لبنان القوي، مشددة على أن إصرار البعض على الخطأ قد يؤدي الى رحيل الشركة وخسارة الدولة اللبنانية لقيمة العقد الموقع معها، كون العقبات التي منعتها من القيام بعملها لا علاقة بها، داعية للتوقف عن تبادل الإتهامات والمضي قدماً بطلب التعديلات التي تتيح الوصول إلى نتائج إيجابية خصوصاً أن التدقيق الجنائي لم يعد مطلب لبنان وحسب بل مطلب الدول التي تفكر في مساعدة لبنان وعلى رأسها فرنسا.

من هنا جاء تأكيد رئيس تكتل «لبنان القوي» جبران باسيل بأن «على الحكومة فرض التدقيق بقوة القوانين الموجودة، وعلى مجلس النواب الدعم والتحصين، وعلى مصرف لبنان الاستجابة الفورية تحت ضغط حقوق الناس. التيار واحد وحاسم حول هذا المطلب وكل كلام عن تقديم قانون إضافي، اذا لزم واذا تأمّن اقراره، هو من باب الحرص على إتمام التحقيق وليس عرقلته»، وهو في هذا التصريح يدعم النائب كنعان في موقفه.

ترى المصادر أن خروج الخلافات بين أبناء الفريق الواحد إلى العلن بهذا الشكل يُخفي في طياته أزمات نائمة داخل التيار الوطني عمرها 4 سنوات على الأقل، استيقظ بعضها سابقاً عند طرد مستشارين كانوا الأقرب لميشال عون، إلى جانب الخلاف الشهير بين أطراف عائلة عون الصغرى، وبعضها الآخر قد يستيقظ تباعاً، خصوصاً بعد توقيع العقوبات على جبران باسيل، وبظل وجود من يعتبر، من أبناء التيار، أن سياسة باسيل أوصلت رئيس التيار إلى العقوبات.