جاء مستشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لشؤون الشرق الأدنى باتريك دوريل الى بيروت، واستمع الى المسؤولين السياسيين وأعاد تحذيرهم على غرار ما فعل رئيسه إيمانويل ماكرون، داعياً الى الإسراع في تشكيل الحكومة لكي يتمكّن لبنان من استعادة ثقة الشعب اللبناني كما ثقة المجتمع الدولي.. وكتب تقريره ورفعه الى الرئيس الفرنسي، ولم يتحرّك الجمود في مسار تأليف الحكومة الحاصل في البلد. فما الذي ينتظره المسؤولون، وما البديل عن المبادرة الفرنسية التي شكّلت الفرصة الأخيرة لهم لإعادة إنقاذ بلادهم؟!

لا تزال المبادرة الفرنسية هي الفرصة الوحيدة الحالية والأخيرة أمام المسؤولين السياسيين، على ما تنقل اوساط ديبلوماسية مراقبة. فالرئيس ماكرون يتمسّك بدعم لبنان شرط أن يُساعد المسؤولون فيه أنفسهم ويتوافقوا ويُشكّلوا «حكومة مهمّة» تعمل على إنجاز الإصلاحات المطلوبة وإنقاذ البلاد من أزماته. غير أنّ الوقت يمضي، ولا شيء يتحرّك، ولا يُبدي المعنيون أي اكتراث لضياع الفرصة المتاحة أمام لبنان، ولا يتحمّلون بالتالي المسؤولية المُلقاة على عاتقهم، وهذا هو أكثر ما يُزعج الجانب الفرنسي الذي يُطيل عُمر الفرص ويُحاول انتشال المبادرة الفرنسية من السقوط النهائي وذلك لمصلحة لبنان، وكذلك لمصلحة فرنسا في المنطقة لا سيما في مسألة استخراج النفط في المنطقة الإقتصادية الخالصة التابعة للبنان.

وفيما يتعلّق بعرقلة عملية التأليف، تجد الاوساط، أنّه على الرئيس الحريري أن يخطو خطوة باتجاه رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل رغم إدراج اسمه على لائحة العقوبات الأميركية، كون الأميركيين أنفسهم أعلنوا أنّ العقوبات تطال الشخص نفسه ولا تتعلّق بحزبه بكامله، ويتصالح معه ويلتقيه شخصيّاً قبل التوافق على أسس تشكيل الحكومة عن طريق الوفد النيابي الذي أرسله له من قبله. فإذا كان الجانب المسيحي هو الذي يُشكّل العقدة أمام عملية التأليف، فلا بدّ للحريري من مراضاته خصوصاً وأنّ الفريق الرئاسي هو الذي هبّ لنجدته عندما جرى حجزه في السعودية وتمّ الضغط عليه لتقديم استقالته من الرياض في 4 تشرين الثاني من العام 2017، وهو الذي حماه بمطالبة ذلك من الرئيس ماكرون الذي ضمن عودته سالماً الى لبنان من باريس. كما طلب منه رئيس الجمهورية ميشال عون وقتئذٍ التريّث عن الاستقالة التي عاد عنها بعد ذلك.

ولهذا فإنّ معاملة الحريري لهذا الفريق يجب أن تكون مميّزة عن سواها، على ما عقّبت الاوساط، لا أن يُبدي عدم الإهتمام بمطالبه، أو يصرّ على أخذ دوره في تسمية وزرائه في الحكومة. فهذا الأداء هو الذي يؤدّي الى عرقلة تشكيل الحكومة، وليس تصلّب باسيل أو تشبّثه بمبدأ «وحدة المعايير». فإذا شاء الحريري التأليف سريعاً لا بدّ وأن يتوافق مع الفريق المسيحي الذي سيُشارك معه في الحكومة، على غرار ما يفعل مع الفريق الإسلامي وتحديداً الثنائي الشيعي.

في المقابل، أكّدت مصادر الحريري أنّ الرئيس المكلّف مع أن يتمّ تشكيل الحكومة لأنّ ولادتها أفضل من بقاء حكومة تصريف الأعمال بالنسبة للبلد، مشيرة الى أنّ «تيار المستقبل» لا يتمسّك بأي وزارة لا سيما الداخلية بل يؤيّد مبدأ المداورة لجميع الوزارات. ولفتت الى أنّ المعترضين على كون الحريري غير إختصاصي لتأليف حكومة من الإختصاصيين غير الحزبيين، عليهم الإنطلاق من أنّ كلا من رئيسي الجمهورية ومجلس النوّاب ليسا أيضاً من الإختصاصيين بل من السياسيين والحزبيين، الأمر الذي يجعل وجود الحريري على رأس الحكومة يتناغم مع الرئاستين الأولى والثانية الحاليتين.

ولكن في الوقت الضائع الذي لا يعطيه المسؤولون أي أهميّة، على حكومة تصريف الأعمال إنجاز بعض المهام الضرورية. فبإمكان هذه الأخيرة المطالبة، على سبيل المثال، بتدقيق حسابات الوزارات والمؤسّسات العامّة. علماً بأنّه من الأفضل تأليف الحكومة خلال أسبوعين لكي لا يُصبح المؤتمر الإقتصادي الدولي لدعم لبنان في خبر كان أو خلال شهر على الأكثر، على ما أعطى الفرنسي كفترة جديدة للإنتهاء من التشكيل، وإلاّ فإنّ المسألة ستطول. وفي حال حصول هذا الأمر، فإنّ لبنان سيصل الى مرحلة الإنهيار التام ولا يعود عندها للحكومة أي مرساة للنجاة حتى لو تشكّلت من مختلف الأطراف.

وتقول الأوساط نفسها بأنّ الكرة الآن في ملعب الحريري الذي يضع ورقة التكليف في جيبه وينتظر، في الوقت الذي انتهت فيه الإنتخابات الرئاسية الأميركية ولا تزال نتائجها موضع خلاف رغم إعلان فوز المرشّح جو بايدن. ولهذا عليه التصرّف سريعاً في حال أراد فعلاً إنقاذ المبادرة الفرنسية وتنفيذ كامل مندرجاتها التي وضعها في ورقة مفصّلة. وتأمل في أن لا يُصار الى انتظار تسلّم بايدن مقاليد الرئاسة الأميركية في 20 كانون الثاني المقبل، لأنّ هذا الأمر سيقف عندها حائلاً دون إنقاذ البلاد بعد أن تكون قد غرقت تماماً بعد نفاد مبلغ المليار والـ 950 مليون دولار المتبقيّ حاليّاً في مصرف لبنان لدعم المواد الأساسية وبقية المصاريف خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.