لا قوانين ولا أنظمة ولا أعراف ولا حتى أخلاق تُديرُ اللعبة السياسية في لبنان... هنا الكل يحاضرُ أمام الآخر بالوطنية وبآلام هذا الوطن الذي علقوه وصلبوه، لكن دون أن ينتبهوا أن الوطن وصل الى قعر البحر بسبب أفكارهم وخططهم السياسية التي كانت فاشلة وما زالت وستبقى في حال بقائهم وتعنتهم وإصرارهم على مواقفهم.

يغيبُ عمن حكم الوطن لسنين طوال وأوصله الى ما وصل اليه، أن طاقة المواطن اللبناني انهارت ولعلّ العامين 2019 و2020 جعلا من هذا المواطن الذي عاش في السابق حياةً شبه عادية جعلا منه شخصاً عصبياً متوتراً يتحدثُ مع نفسه بسبب الضغوطات التي يتعرضُ لها بشكلٍ مستمر.

بعد كل هذه المناكفات وبعد أن سمى نفسه من أجل تشكيل الحكومة، يقف الرئيسان ميشال عون وسعد الحريري أمام نقطة المجهول واللاإلتقاء، فكلُ واحدٍ منهما يريدُ أن يُطبق نظرياته المعهودة التي تناسبُ حجمه لا حجم الوطن، في حين يتشبثُ الحريري الابن باختيار الأسماء التي لا تتناسب مع مواقف البعض الآخر، أما الرئيس عون فهو يتمسكُ بالشركة الكاملة، يبدو أن الحريري لم يتعلم بعد أن الوطن لا يُدارُ بهذه الطريقة وأن لبنان قائمٌ على الشركة، الرجل حتى هذه اللحظة لم يتعلم كيفية تدوير الزوايا.

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة يغيبُ صوت أعضاء نادي رؤساء الحكومات السابقين الذين التزموا الصمت وغابوا عن الإدلاء بالتصاريح حول تأليف الحكومة بناء لرغبة الرئيس الحريري. كل هذا التخبط السياسي المتعب والمرهق بدأ ينعكس على مفاصل الدولة، إذ تعيشُ مؤسساتها حالة من الفوضى في كافة قطاعاتها، وبدأت المؤسسات الرسمية تعاني من أزماتٍ حقيقية نتيجة عدم قدرة الدولة على دفع الأموال المتوجبة عليها، وعدم قدرة المواطن بالمقابل على تسديد المستحقات المتوجبة عليه بعد أن خسر عمله أو فقد راتبه بالعملة الوطنية قيمته في ظل غيابِ خطةٍ طارئةٍ من أجل الإنقاذ وعدم إكتراث الدولة وعدم إنشاء خليةٍ لإدارة الأزمات.

في المشهد العام جُمدّت المبادرة الفرنسية ودخلت مرحلةً جديدةً على الرغم من المحاولات الحثيثة من قبل الفرنسيين على إنجاحها لاعتباراتٍ عديدة أبرزها : العلاقات الفرنسية - اللبنانية القديمة وتداخل الثقافتين مع بعضهما بعضاً، ناهيك بموضوع هامٍ يسعى اليه الفرنسيون منذ فترة وهو عودتهم الى لبنان وتأدية دورٍ حقيقي بعد غياب دورهم عن الساحة اللبنانية لسنين طويلة.

وترى مصادرُ سياسية مراقبة أن فرنسا ترفضُ إصدار عقوباتٍ جديدةٍ على شخصياتٍ لبنانية جديدة لاعتباراتٍ عديدة أبرزها أن العقوبات تزيدُ من الأزمة اللبنانية وتؤخرُ تشكيل الحكومة التي إذا شُكلّت ستكون منقذةً للبنان ولو بشكلٍ جزئي، في حين تُصرُ واشنطن على فرض عقوباتٍ على شخصياتٍ لبنانية تعتبرها مقربة من حزب الله، وحتى دخول «جو بايدن» البيت الأبيض في كانون الثاني من العام القادم، يبدو أن العالم خلال هذين الشهرين سيعيشُ مرحلةً دقيقة بسبب مواقف دونالد ترامب غير المتزنة بعد خسارته في الإنتخابات الرئاسية، ويبدو أن منطقة الشرق الأوسط ستكون أكثر حساسيةً عن غيرها نظراً لوجود «إسرائيل» في المنطقة، ويرى مراقبون عسكريون أن هشاشة الوضع على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة خيرُ دليلٍ على وجودِ حالةٍ من الفوران الأمني والعسكري، خصوصاً بعد الإعتداءات التي تعرضت لها مواقع عسكرية إيرانية وسورية في دمشق في حين تتخوف مصادر دبلوماسية وسياسية من توسيع رقعة هذه الضربات.

في غياب المشروع والرؤية الواضحة ستكون المرحلة الحساسة والدقيقة التي نعيشها في لبنان مرهونةً بالواقع الدولي والأقليمي، والمناخ المشحون في العالم والمنطقة، وحتى موعد تشكيل حكومة لبنان سنكون أمام مشهدٍ من الفوضى والإنهيار وتفاقمٍ للأزمات وتصفيةٍ للحسابات السياسية الضيقة التي لا تعني المواطن.