وأنت تقرأ تاريخ لبنان تُدركُ تماماً أن نفق الصراعات بين القوى السياسية أمرٌ واضح منذ نشأته، و أن الإصطفافات السياسية أمرٌ واقع لا محال، وأن الطائفية متجذرةٌ في عقول الشعب اللبناني، وأن سرقة مقدرات الدولة وأموال الشعب زينة رجال السلطة...

روى لي أحد الأساتذة الجامعيين أنه قدّم بحثاً إقتصادياً مفصلاً عام 2012، قال فيه آنذاك أن لبنان في العام 2013 سوف يتعرض لنكسةٍ إقتصادية نتيجة السياسة التي انتهجها ويُصرُ عليها المصرف المركزي اللبناني، يومها شرح في البحث أسباب الإنهيار الإقتصادي الذي سيتعرض له لبنان، أرسل وراءه مدير مركز الأبحاث ورفض نشر البحث، واليوم وبعد مرور ثمانية أعوام عاد المركز للبحث الإقتصادي القديم، لا بل أعيد النقاش به وشَرحَ سبب تأخير انهيار وتراجع الليرة والأسباب الحقيقية وراء ذلك معتبراً أن القوى السياسية التي كانت تعمل جاهدة تحت الطاولة كي تزيد بأرباحها عبر طرق غير شرعية وأن كل ما جرى كان خطةً وعملية تسللٍ الى جيوب الناس من أجل تفريغها من المال.

مسلسل سرقة أموال الناس لا يزال مستمراً وحسب مراقبين إقتصاديين فإن العرض الذي تقدمه المصارف من خلال اقتطاعِ نسبة محددة من أموال المواطن الموجودة في البنك وترك الباقي من المال دليلٌ على إصرار المصرف المركزي على سياسته الخاطئة والتي أدت الى خسارة اللبنانيين أموالهم عبر احتجازها في البنوك، هذا بالإضافة الى الإستمرار في عملية تقطير المال للمودعين عبر إعطائهم مبالغ محددة وهذا دليلٌ على إصرار المصارف والدولة والسلطة على نهب المواطن من خلال أخذ الأموال الموجودة في البيوت والتي تقدرُ بحوالي 10 مليارات دولار من أجل الإستيلاء عليها بطريقة منظمة عبر صرف المواطن لهذه المبالغ لأنه لا يستطيع سحب أمواله، وبهذا يكون من حكم الدولة أي المصارف قد نهب ما تبقى من مال الشعب.

سياسةُ النهب المستمرة أدمن عليها المواطن اللبناني، لا بل وصار جزءاً منها لأن الساكت عن الحق والفساد شيطانٌ أخرس، فهو أي المواطن اللبناني لم يتحرك بشكلٍ فعليٍ ومنطقيٍ من أجل المطالبة بحقه، أما تحركات 17 تشرين من العام الماضي ما هي إلا حالةٌ من الشغب والفوضى برأي البعض.

الملفات الساخنة كرات نار تتقاذفها القوى السياسية للتهرب منها، وهي ملفات أساسية فيما لو أقرت ستصلُ إلى نتائج، ومن الممكن أن تؤدي إلى الإصلاح، لكن حتى هذه اللحظة تبدو الأمور غير واضحة المعالم، وغير معلومة الإتجاه والتوجه، هل ستقرر الطبقة الحاكمة إجراء جملة إصلاحات؟! تبدأ بملف التحقيق الجنائي الذي رُمي على رئيس مجلس النواب «نبيه بري»، من أجل أن يتحمل المجلس النيابي مسؤوليته، إضافة إلى تفجير مرفأ بيروت الذي أحاله قاضي التحقيق العدلي على مجلس النواب كون المجلس مخولاً أن يقوم بإجراء التحقيق مع الوزراء والنواب رغم عدم إقرار القانون الذي يقضي بمحاسبة الوزراء والنواب، لا سيما أن إتهام بعض الوزراء والنواب بحاجة إلى إذن وبالتالي هذا الأمر غير موجود عند القضاء العدلي، بالمقابل فتح الرئيس «بري» موضوع الإنتخابات النيابية في جلسة يوم الجمعة وقد لقي هذا الموضوع عدم تجاوب من المجتمع المسيحي، وجاء ذلك على لسان القوات بشخص «جعجع» ونائبه «عدوان» لجهة أهمية عدم طرح قانون إنتخابي جديد بهذه السرعة وإعتبار لبنان دائرة إنتخابية واحدة لأنه يقلص من التمثيل المسيحي، فالأكثرية المسلمة في الوطن هي التي ترجح كفة الميزان في مجلس النواب وهذا أمرٌ غير ميثاقي ولا ينبغي طرحه في هذا الوقت بالتحديد، كما أن فترة سنتين غير كافية لطرح الموضوع.

كل هذه الملفات الساخنة التي تتقاذفها القوى السياسية بين بعضها البعض، من السلطة التشريعية إلى التنفيذية حتى رئاسة الجمهورية التي هي مؤتمنة على القانون والدستور لو أنجزت سيسلكُ الوطن السكة الصحيحة بدايةً من إعادة الأموال المنهوبة، واستعادة اقتصاده، وإعادة الثقة من الداخل إلى المجتمع الدولي الذي يريد المساعدة من أجل إنقاذ الوضع المالي السيئ، وبالتالي تلقف الهبات والمساعدات التي ستعود بفائدة على لبنان.

لكننا نحلم...فهذه الملفات حتى هذه اللحظة لا زال حكام لبنان ومسيّروه يتقاذفونها، نتيجة الفشل وعدم العمل وسوء إدارة البلد والسياسة العامة المتبعة، والدليل الدامغ هو موضوع التحقيق المالي الجنائي للكشف عن الأموال المنهوبة التي هُرّبت إلى الخارج وأُعطي لها الإذن من خلال البنك المركزي. يبدو أن هناك قرارًا بعدم حل هذه الملفات في الوقت الراهن حتى تبلور الظروف الدولية والإقليمية، ووصول «بايدن» إلى البيت الأبيض، من أجل إعادة النظر في ملفات المنطقة والشرق الأوسط... وربما يستفيد لبنان من ذلك على هامش هذه الحلول التي ستطرح في المنطقة.

لن تقوم قيامةُ لبنان الا بمحاسبة هذه الطبقة الحاكمة التي سيطرت على مقدرات الدولة، ولن تقوم قيامة الشعب إلا إذا قرر أن يعيش بكرامة ويدافع عن حقوقه...

وحتى إشعارٍ آخر وقرارٍ دولي لا حكومة... لا أمان بعد اليوم...لا إقتصاد... لا أمن إجتماعي، ونستطيعُ القول أننا في لبنان لا نعيشُ في دولة بل نعيشُ في غابة، القوي يأكل فيها الضعيف، تلك السلطة الحاكمة القوية لا محال جردت نفسها من كل شيء فعاشت ومات لبنان وشعبه.