تمر الساحة اللبنانية في مرحلة شديدة الخطورة على مختلف الاصعدة الاقتصادية والاجتماعية مع اضافة شق قديم-جديد على لائحة المخاطر، الا وهو الشق الأمني. هذه المرة، الشق الامني يأخذ بعداً اقليمياً ودولياً ضمن حالة الترقب لما قد يقدم عليه الرئيس الاميركي «الخاسر في الانتخابات» دونالد ترامب بالتنسيق مع العدو الاسرائيلي في ظل كلام جدي عن عمل أمني كبير يحضر له في بيروت ودمشق، وقد تعزز هذا الاعتقاد بعد اغتيال العالم الايراني محسن فخري زاده الملقب برأس «البرنامج النووي الإيراني» في ايران أمس، واشارة مسؤولين أميركيين ووكالات عالمية الى وجود اصابع اميركية-اسرائيلية وراء عمـلية الاغتـيال.

بالتوازي، يخضع لبنان لعملية «انعاش اصطناعي» فرنسي بعد تأكيد مكتب الرئيس الفرنسـي ايمانويل ماكرون على عقد مؤتمر دولي لمساندة لبنان تستضيفه باريس «عبر تقنية الفيديو مع شركاء دوليين يوم الثاني من كانون الأول لبحث تقديم مساعدات إنسانية للبنان الذي يعاني أزمة مالية». حيث يبدو واضحاً أن باريس تسعى جاهدة لابقاء مبادرتها السياسية-الاقتصادية على قيد الحياة عبر منع سقوط لبنان نهائياً خصوصاً بعد الانذار الاخير الذي اطلقه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عن ان الدعم للمواد الاساسية من اغذية ومحروقات وأدوية لن يكون متوفراً في الاشهر المقبلة، في ظل عدم تشكيل حكومة جديدة واقرار برنامج مساعدات من صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية المانحة.

الى ذلك، لا تزال مسألة تشكيل الحكومة في خانة «مكانك راوح»، حيث لم يطرأ حتى الان اي متغير على صعيد الخلاف الحاد الذي نشأ في اللقاء الاخير بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري على المقاعد المسيحية واصرار الحريري على تسمية معظم الوزراء المسيحيين وترك مقعدين وزاريين لعون لكي يسميهم.


الخطر الأمني في بيروت ودمشق والتحذير من اغتيالات

تتزايد التحذيرات الرسمية والاستخباراتية من حصول عمل أمني كبير في بيروت ودمشق يستهدف شخصيات رئيسية ومحورية في تحالف محور الممانعة، وفي هذا الاطار، تؤكد مصادر قريبة من المقاومة أن التهديدات تأخذ على محمل الجد وأن الاجراءات الأمنية اللازمة للشخصيات الرئيسية وأولهم أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله اتخذت، معتبرة أنها لا تستبعد أن يقدم ترامب على عمل خطر، اذا توفرت له الفرصة، كي يقدمه كهدية للوبي اليهودي في أميركا و«اسرائيل» قبل رحيله عن السلطة في 20 كانون الثاني 2021. وبالاضافة الى هذه المعلومات، قال مسؤول أمني رفيع المستوى للديار أن المرحلة الراهنة قد تشهد عودة الاغتيالات أو خضات أمنية كبيرة على الساحة اللبنانية، أو خروج خلايا ارهابية نائمة الى العلن وتنفيذها هجمات على الاراضي اللبنانية؛ دون أن يدخل في التفاصيل أو الجهة التي قد تقدم على هكذا عمل، مع تأكيده أن الاجهزة الامنية اللبنانية في حالة استنفار وتعمل في شكل دائم على تعقب الخيوط لمنع حصول اي خضة امنية.

على صعيد متصل، وفي الساحة السورية، علمت الديار من مصادر مطلعة، أن القيادة السورية اتخذت اجراءات امنية استثنائية تحسباً لأي عمل امني او استهداف تقوم به الولايات المتحدة أو اسرائيل في دمشق للرئيس السوري الدكتور بشار الاسد ، خصوصاً بعد خروج معلومات مؤكدة في الوكالات الدولية والاعلام الغربي سابقاً أن ترامب كان ينوي اغتيال الاسد غير ان اعضاء في ادارته ثنته عن هذا العمل. وفي المعلومات، أن الرئيس السوري لم يعد يبيت ليلته في قصر المهاجرين وان اجراءات امنية مشددة تم اتخاذها لتجهيل مكان اقامته، كما ان الاسد وشقيقه العقيد ماهر الاسد اتفقا على ان لا يتواجدا في المكان نفسه وعلى تقسيم ساعات العمل ضمن اطار ان لا يكونا غائبين عن السمع في الوقت نفسه.

لبنان في غرفة الانعاش الفرنسية

بالعودة الى الداخل اللبناني، وعلى الصعيد الاقتصادي المالي، يبدو أن لبنان دخل في «غرفة الانعاش» الفرنسية بعد قرار الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بالابقاء على مؤتمر دعم لبنان والذي ستستضيفه باريس في الثاني من كانون الاول القادم. وفي هذا الاطار تؤكد مصادر موثوقة في باريس للديار، أن المؤتمر سوف يقام تحت عنوان «دعم القضايا الانسانية» والذي يهدف الى دعم الشعب اللبناني ومعالجة الآثار الاقتصادية لانفجار مرفأ بيروت في 4 آب، اضافة الى الوضع الاقتصادي والمالي الذي وضع المواطن اللبناني في واقع لا يحسد عليه، كما تشير المصادر انه كان من الملفت توجيه الدعوة للمؤتمر لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون فقط دون غيره من المسؤولين. وتضيف المصادر أن باريس وبالاخص الرئيس الفرنسي ماكرون قرر انعاش لبنان اصطناعياً على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي لحين رحيل ترامب وادارته عن البيت الابيض، لعلمه بالعراقيل الاميركية والضغوط التي تمارس على لبنان والجهات السياسية التي منعت حتى الان تشكيل حكومة تتمثل فيها كل الاطراف عبر وزراء اختصاصيين، كما ان ماكرون لن يربط الدعم الانساني للبنان باي من الاصلاحات المطلوبة دولياً من الدولة اللبنانية. وفي سياق متصل، ذكرت الديار أمس، قيام حاكم مصرف لبنان المركزي الاستاذ رياض سلامة بزيارةٍ الى فرنسا حيث اجتمع مع حاكم المصرف المركزي الفرنسي وخلية الازمة الفرنسية المتابعة لوضع لبنان واطلعهم على الخطر الكبير من انهيار الاقتصاد اللبناني، ولاقت محادثاته تفهماً كبيراً من المسؤولين الفرنسيين الذين اطلعوا الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على الوضع بكامله.

الوضع الحكومي «مكانك راوح»

وعلى صعيد تشكيل الحكومة العتيدة، علقت مصادر قصر بعبدا في حديث مع الديار على المعلومات التي وردت عن امكانية قيام الرئيس المكلف سعد الحريري بزيارة بعبدا في ال 48 ساعة المقبلة، انهم لم يتبلغوا حتى الان اي جديد من جهة الحريري وقالت « بيجي عادةً من دون مواعيد مسبقة»، اي ان الحريري كان يتصل في اليوم ذاته ويبلغ الرئيس عون أنه آتٍ الى بعبدا. وأضافت المصادر ان الرئيس عون طلب من الحريري في الاجتماع الاخير اكمال لائحته من وزاء سنة وشيعة ودروز، بعد أن عرض عليه اسماء الوزراء المسيحيين فقط، ويومها طرح الحريري على عون تسمية وزيرين من الحصة المسيحية مقابل تسميته للمقاعد المسيحية الخمسة المتبقية، ما انتج خلافاً كبيراً و«تشنجاً» في العلاقة بين عون والحريري. وهنا تعلق المصادر بالقول « الحريري راح يكمل اللائحة وما عاد رجع».

في المقابل، تلتزم مصادر في بيت الوسط بسياسة الصمت، غير انها اكدت للديار أن زيارة الحريري لقصر بعبدا قد تحصل في اقرب وقت وانه من الطبيعي ان يزور الرئيس المكلف رئيس الجمهورية لاطلاعه على التقدم الحاصل في التشكيلة الحكومية، مؤكدة ان الحريري يشكل الحكومة من ضمن روحية المبادرة الفرنسية، اي الاتيان بوزراء اختصاصيين كفوئين غير حزبيين.

التدقيق الجنائي وقرار مجلس النواب

هذا ولا يزال القرار الذي اتخذه مجلس النواب أمس الاول بتوسيع التدقيق الجنائي ليشمل كل الادارات والصناديق والبلديات اضافة الى مصرف لبنان يتفاعل سياسياً. ففي حين اعتبر بعض القانونيين ان ما جرى في قصر الاونسكو مسرحية شاركت فيها كل الكتل النيابية، اذ اعتبر الباحث وسام لحام ان اجراء رفع السرية المصرفية يتم فقط عبر اقرار قانون ينص على عدم شمول السرية المصرفية لما يتطلبه التدقيق الجنائي، مشيراً الى ان النص الذي اقره مجلس النواب لا يعتبر قانوناً لأنه عبارة عن جواب على رسالة رئيس الجمهورية، كما انه لم ينطلق عبر مبادرة تشريعية كما تفرضه الأصول الدستورية، اضافةً الى انه مجرد توصية تعكس أماني النواب ولا قوة ملزمة لها، وبالتالي يمكن لأي معني بالموضوع تجاهله اذ لا حجة قانونية له ولا يمكن للمحاكم لا سيما القضاء الإداري تطبيقه.

من جهة أخرى، اعتبر وزير العدل السابق ابراهيم نجار في حديث تلفزيوني ان قرار مجلس النواب ملزم للادارات المعنية بالتدقيق الجنائي، وقال «اليوم مجلس النواب قام بقرار مبدئي وغيّر المسار السابق كما يغيرون منحى قانونياً، اليوم بتنا بمقلب آخر يتيح الغوص في عمق تلك الحسابات هذا يجعلني اقول ان فوق هذه التفاصيل التي يتكلم عنها الجميع هناك قرار مبدئي ملزم، يكون بمصاف المبادئ العامة للقانوني بالتالي اذا احتجنا لتفاصيل معينة عن دقائق التطبيق والمهل القانونية يمكن للجان تنظيم ذلك انطلاقا من المدخل العام».