«وين عايشين؟» سؤالٌ يطرحه اللبناني كلما سمع بجريمة قتل تمّت بطريقة إحترافيّة في منطقة معيّنة. وإذا تابع تفاصيل الخبر، يكتشف أن التحقيقات تطول فيما المجرم يبقى مجهولاً. «93% هي نسبة إرتفاع عدد القتلى منذُ بداية هذا العام حتّى شهر تشرين الثاني مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2019»، وفقاً لتقرير الشركة الدولية للمعلومات. فما هي أسباب إرتفاع نسبة جرائم القتل؟ وإلى أي مدى الوضع الأمني تحت السيطرة؟

يؤكد مصدر أمني في شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي أنه «بدأت ترتفع نسبة جرائم القتل خلال فترة إنتشار جائحة كورونا، والتّي نتجت عنها جرائم ذات طابع نفسي أو عقلي. أسبابٌ أخرى لإرتفاع نسبة الجرائم تعود أيضاً لخلفيات ثأرية، وجرائم الشرف التّي لا زالت تطال بعض المناطق اللبنانية. وهذا النوع من الجرائم متوفر عند النازحين السوريين». كما أشار المصدر إلى أن «معظم الجرائم تمّ توقيف الفاعلين. وبالتالي لم نشهد جرائم مُنظمة التّي تسير الخوف والقلق. فالوضع الأمني تحت السيطرة رغم تردي الأوضاع الإقتصادية وإستمرار الأزمة السياسية».

الوضع الأمني ممسوكٌ...ولكن

يقول الخبير الإستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب للديار أن «الوضع الأمني في لبنان ينقسم إلى شقّين: الشق الأوّل هو الجرائم العادية التّي لا يزال الأمن ممسوكاً سواء بالعمليات الإستباقيّة أو بالحضور الأمنّي في كافة المناطق. والشقّ الثاني هو الجرائم المُنظمة التّي يفوق قدرات تنفيذها المجرمين العاديين. وما حصل في منطقة الكحالة من جريمة قتل أو ما جرى الشكّ به في كيفية قتل العقيد المتقاعد في الجمارك، ليست جرائم عادية. وإنما إشترك في تنفيذها أكثر من شخص ولم تترك مخلفات، فهي جريمة منظمة».

ويؤكد ملاعب أنّ «الأمن يستطيع كشف هكذا جرائم ولكن ضمن حدود التدخلات السياسية. فالأمن متماسك ويمتلك الوسائل والخبرات لكشف المجرمين ولكن العرقلة قد تكمن بتدخل قوى طائفية أو سياسية لوقف التحقيق إلى حدّ معيّن».

إلى الأمن الذاتي دُرّ؟

يشير ملاعب إلى أنّه «مرّ لبنان في إنتفاضة ضدّ السلطة، إنتشار وباء كورونا، تفجير المرفأ وتداعياته، وترافق مع هذه الأحداث إنهيار إقتصادي. مع هذا كله، إستطاع لبنان إجتياز الأزمات بثقة كافة بالفرقاء الأمنيين، وبالتكاتف الإجتماعي، الذّين ساهموا بعدم تفلت الوضع الأمني. ولكن كل هذا مرهون بالوضع السياسي. فإذا الوضع بقي من دون حلول سياسية، أي إذا شهدنا غياب مستمر لتأليف الحكومة، قد يوّلد ذلك بيئة صالحة للأمن الذاتي. وهذا يعني أن تعتمد كل منطقة أمناً ذاتياً لها عبر تأمين كاميرات مراقبة مثلاً، وتأمين حرس للمنطقة. ما سيفقد ثقة المواطنين في الدولة وبقدرات الأجهزة الأمنية».

المطلوب: حلول سياسية

بالنسبة للتهديدات الارهابية، يضيف ملاعب أن « لبنان ليس ملاذاً للإرهاب. وذلك يعود لإنتشار الجيش على الحدود وقيامه بعمل حصين للداخل اللبناني. أمّا التهديدات الداخليّة، فالأمن لا يصنعه الجندي أو المخفر. الأمن صيغة متكاملة بين المجتمع ورجال الأمن والقضاء. إذا طرف ما لم يكن سليماً سنشهد تفلت بالأمن. وإذا الوضع بقي فارغ من الحلول السياسية، قد ندخل مرحلة أمن ذاتي ومشروع عصابات. ما ينبثق عنه فلتان أمني وإنعدام الثقة برجال الأمن». أمّا بالنسبة لتدهور الوضع الإقتصادي، يؤكد ملاعب أن «الجائع لا يسرق بل السرقة تنفذها العصابات. لذا، لطالما هناك تكاتف إجتماعي، ومؤسسات ترعى الفقراء، لن يؤدي الوضع الإقتصادي إلى تفلت الوضع الأمني».

إرتفاع نسبة جرائم القتل لا تدّل على دخول مرحلة جديدة من تفلّت أمني. فالوضع لا يزال تحت السيطرة والأجهزة الأمنية في المرصاد لكشف المجرمين. أمّا بالنسبة للجرائم التّي تبدو إحترافية فهي تتأرجح بين كشف المجرمين وخرق التحقيقات لتوقفها. ما يهمّ المواطن هو محاسبة المجرمين والشعور بالآمان أقّله في بيته ومنطقته. ولكن بما أن الوضع الأمني مرهون «بالحلول» السياسيّة، هل ناقوس الخطر يدق على أبواب السياسيين لحلحلة العقد قبل «فوات الأوان» وتفلت الأمن؟