قالت لنا الدكتورة عناية عز الدين : هذه دولة... العصر الحجري!!

من تابع حديثها التلفزيوني، وحيث المقاربة الديناميكية والعملانية (والرؤيوية) لمقتضيات القرن، لا بد أن يصل الى هذا التساؤل ما اذا كنا رعايا الفضيحة أم رعايا الدولة؟

هالها، منذ أن كانت وزيرة للتنمية الادارية، أن ثمة دولة هي لبنان، لطالما تغنى أهلها بأنهم جيران القمر، قبل أن يكتشفوا أنهم جيران القمامة، تلغي وزارة التخطيط التي هي أم الوزارات في الدول التي تدرك أنها في طريقها الى ما بعد الزمن. حين نكون نحن في طريقنا الى ما... تحت الزمن.

عالم السياسة الفرنسي موريس دو فرجيه قال «أن تبني دولة يعني، على الأقل، أن تمتلك رؤيا الأنبياء»، لا رؤيا قطاع الطرق، ولا رؤيا أكلة عظام البشر...

عزالدين تحدثت عن استراتيجية التحول الرقمي بعدما تبين لها بالوقائع أننا في دولة على شاكلة «البوسطة» أيام زمان والتي كان يكتب في مقدمها «سيري فعين الله ترعاك». على مقدمة البوسطة (الدولة) اللبنانية هذه العبارة «سيري فعين الشيطان ترعاك»!

علاقات فوضوية، وعشوائية، بين الوزارات، وحتى داخل الوزارة الواحدة أكثر من نظام رقمي دون أي ترابط في ما بينها، لا بل أن كل واحد يتعارض مع الآخر.

كم تبدو الطروحات حول المؤتمر التأسيسي، هشة وضيقة الأفق. المناصفة أم المثالثة، الفديرالية أم الكونفديرالية؟

اذا كان يقتضي أن يعقد مثل هذا المؤتمر، ينبغي أن يكون عنوانه الرئيسي المفهوم الاستراتيجي للدولة، وحيث منطق القانون لا منطق الأدغال، وحيث الحوكمة هي الأساس بعدما لاحظت النائب عز الدين أن ثمة تشخيصاً واحداً لأزمات لبنان التي تتناسل في كل الاتجاهات : غياب منظومة للحوكمة...

استطراداً، لا عقلانية، ولا شفافية، ولا عدالة، ولا مكافحة للفساد، في ادارة الدولة التي، وحتى اللحظة (لحظة الهاوية)، ما زالت تدار بذهنية عرابي المافيات.

على الأقل للحد من ظاهرة الطوابير، وظاهرة الجوارير، وحيث الاذلال المروع للمواطن أمام الموظف العثماني (حقاً، لماذا لا يفرض على ذلك الطراز من الموظفين ارتداء الطربوش؟). استراتيجية التحول الرقمي جاهزة، وتتطابق مع معايير البنك الدولي. لماذا الانتظار؟

حتماً، الدكتورة عزالدين تعلم ما هو رأي مستشاري البنك الدولي بأحوالنا. هؤلاء الذين كانوا، وما زالوا، يتوقعون للدولة اللبنانية الخراب اذا ما استبقت ثقافة التسيب، وثقافة الزبائنية، ودون أن تكترث بالكارثة وهي تدق على كل الأبواب.

نستذكر كلام مارك رياشي الذي طالما انتقد انفصال أهل السلطة عندنا عن الواقع. كتب عن «البغال الطائرة» التي تحاول أن تحط على سطح المريخ!

لماذا لا تشكل هيئة للتخطيط، وتضم مجموعة من الأدمغة الاستثنائية، ولدينا منها الكثير، لكنها توضع على الرف لأن الأولوية للذين يحترفون هز البطن. ثمة مرجع في الجمهورية الأولى كان يقول لنوابه، وأمام الحضور، «انقبروا قوموا فلّوا...». ماذا تغيّر منذ ذلك الحين؟ ربما ما يقال الآن أكثر بكثير.

من هذه الزاوية بالذات (هيئة التخطيط)، الدخول في ثقافة الدولة، وفي ثقافة المواطنة. من هو اللبناني، الى أي طائفة انتمى، يشعر أن له موطئ قدم في هذه الجمهورية السعيدة؟ اللبناني قدم في الهواء وقدم في الهاوية. أما من نهاية لطريق الجلجلة؟

هكذا لبنان حين كان يحكمه المسيحيون، وهكذا لبنان حين انتقلت السلطة الى أيدي المسلمين. الحداثة ليست في أن نستعرض فساتين هيفاء وهبي (اذا كانت ترتدي الفساتين فعلاً). هي في العقل السياسي الذي يعاني من اختلال بنيوي، وفي الضمير السياسي الذي يعاني، بدوره، من الاختلال البنيوي.

لامجال للرهان على الخلاص في ظل المنظومة السياسية الراهنة. ولكن هناك من يعتقد أنها هبة من السماء. هل تقولون... هبة من الجحيم؟!