سأل احدهم زميله: «هل تعتقد انه من الممكن تصنيع طائرة تتسع لعشرة آلاف راكب»؟

اجاب زميله: ما هذا السؤال السخيف؟

ثم اردف قائلا «اصنعها بنفسك» ساخرا من سؤال زميله!

انطلاقا من هذه الحادثة يسعني الكلام عن العقل المنغلق والمنحاز، عن العقل الذي يدور حول نفسه او الفكر الذي لا يناقش والذي يسهل التلاعب به وبرمجته.

وبالمقابل هناك العقل المنفتح والمتعلّم والفكر المناقش والمستمع او بالاختصار العقل المحلل والناقد.

ما هو اذا الفكر الناقد؟

الفكر الناقد هو نشاط عقلي يقوم به الفرد عندما يواجه موقفا يتطلب منه اصدار حكم او ابداء رأي او تقييم لحالة معينة او مشروع ما.

اسئلة عديدة نطرحها على انفسنا:

اين نحن من هذا النشاط العقلي؟ كيف نربي اولادنا؟ كيف نبرمج عقولهم؟ ما هي سياسة وزارة التربية في اعداد المناهج وطرق تعليمها وتقييمها؟

ما هو دور مؤسساتنا التربوية في رعاية عقول شبابنا وحثهم على البحث والنقد العلمي والابتكار؟

في اللغة وردَ فعل «نقد» من لسان العرب بمعنى ميّز الدراهم واخرج الزيف منها. كذلك في «نقد الشعر» بمعنى اظهر ما في الشعر من عيب او حسن على سواء.

في الفلسفة نجد ان النقد ينحى الى شروط العقل ومقاييسه التي تضمن تصورات صحيحة وتعطي قيمة صائبة للافكار والاحكام ذاتها.

اما في التربية يرجع مفهوم التفكير الناقد الى ايام سقراط بحيث عرف بمعنى غرس التفكير العقلاني بهدف توجيه السلوك. وتتالت النظريات والحركات الفكرية من «جون ديوي» الى التربويين وعلماء النفس المعرفيين الى يومنا هذا بحيث بدأوا في بناء وجهات النظر الفلسفية المتعلقة بالتفكير الناقد ووضعها في اطر معرفية وتربوية لاستثمار القدرات العقلية والانسانية، من خلال اللغة والفلسفة والتربية تلخص الفكر النقدي كأنه تفكير تأملي ومعقول ومركز على اتخاذ قرار والذي يتطلب استخدام المستويات المعرفية العليا كما جاء عند «Bloom» التحليل - التركيب والتقويم وصولا الى الابتكار.

للتفكير الناقد مكنونات عديدة منها: القاعدة المعرفية، والاحداث الخارجية، والنظرة الشخصية. هنا يبدأ الاحساس بالتناقض والتباعد الفكري مما يدفع الفرد الى البدء بإيجاد حلول وابتكار طرق لاحداث تغيير ما.

هذه المكونات تبقى نظرية اذا لم نجد لها مجالات للتطبيق ومن هنا يبدأ التغيير الفعلي ففي المجال المعرفي يمكننا تجنب المغالاة في التعميمات من خلال النقاش المنطقي واجراء مقارنات ومفارقات والتمييز بين الحقائق وفحص الافتراضات وتقويمها.

اما في المجال الانفعالي يحق لكل فرد ان يمارس التفكير الاستقلالي والغير منحاز واكتشاف الافكار الكامنة وراء المشاعر (والعكس صحيح) وان يتروى في اصدار الاحكام والنقد العشوائي ويفرق بين الرأي والحقيقة ويفصل بين العاطفة والمنطق.

في النهاية علينا كحكام وقادة واهل ومربين مسؤولية كبيرة تجاه النشئ، اذ يجب على كل شخص في سدة المسؤولية مهما كانت صغيرة ان يجيد الاستماع ويتقبل افكار الغير ويناقشها ولو لم يقتنع بها، كما عليه ان يحترم التنوع والاختلاف في مستويات التفكير وان لا يصدر احكاما ذاتية بل عليه ان يحث على التفكير والنقد والابداع.

اخيرا كيف ننقذ وطننا من «جهنم» ونعيد اليه بريق الامل لغد مشرق؟ على كل مواطن ومواطنة ان يمارس استراتيجيات التفكير الناقد بدءا بمعرفة الفكرة مرورا بقياس وتحليل مضمونها وصولا الى احداث تغيير ايجابي.

هل من يسمع؟