ترفض أوساط سياسية واسعة الإطلاع كل سيناريوهات التوتّر والتصعيد التي تسيطر بقوة على المشهد الداخلي، وتقطع الطريق على كل الآليات السياسية المرتبطة بالحراك الدائر في الكواليس الديبلوماسية من أجل تقريب وجهات النظر وإزالة العراقيل من أمام المسار الحكومي الذي بات مرهوناً بالإرادة اللبنانية الداخلية، وفق ما تؤكد هذه الأوساط، والتي تدرج خطاب بكركي الأخير، في سياق التصويب الضروري بهذا المسار، والذي عاد إلى نقطة البداية، وفق ما كشف البطريرك بشارة الراعي أخيراً. وفي الوقت الذي يطغى فيه شبح الهلع من انتشار فيروس «كورونا» على نطاق واسع في كل المناطق اللبنانية، تشدّد الأوساط السياسية، على أهمية تأليف حكومة في أقرب وقت ممكن من أجل أن تتحمّل مسؤولية إنقاذ اللبنانيين من الوباء قبل تنفيذ أي أجندة أخرى.

وبالتالي، فإن الكلفة التي بات يدفعها المواطنون للتأخير في الإتفاق على الحكومة الجديدة، لم تعد تقتصر على المال والأمن والإقتصاد، بل تطوّرت إلى المرض والموت، مع توقّع المرجعيات الصحية تجاوز العدد اليومي للإصابات بالفيروس، عتبة الثلاثة آلاف إصابة اعتباراً من الأسبوع المقبل، وهو واقع تضعه الأوساط السياسية أمام كل الأطراف السياسية المعنية بالأزمة الحكومية، لا سيما وأن المراوحة على هذا الصعيد لا تعني سوى نتيجة واحدة، وهي تعطيل كل مفاعيل انفتاح لبنان على المجتمع الدولي، الذي هو بمثابة الجهة الوحيدة القادرة على دعمه من أجل تمرير اللحظة الداخلية والإقليمية الصعبة، وذلك بانتظار التسويات المرتقبة في المنطقة.

وبرأي الأوساط السياسية نفسها، فإن مثل هذه التسويات تتطلّب فترة زمنية طويلة لجهة نضوجها وترجمتها على ملفات المنطقة، ومن بينها ملف تأليف الحكومة الجديدة، حيث أن خطاب بكركي قد استهدف التركيز على عدم قدرة لبنان على تحمّل أكلاف أكثر من طاقته، وأصبحت تهدّد مصيره في ضوء الإنحدار الإقتصادي والأمني والمعيشي، كما حمّل مسؤولية التعطيل الحالي للسلطة بكل أركانها، ومن دون أي تمييز، وذلك من دون الإلتفات إلى المعادلة التي تكرّست بفعل «الشغور الحكومي»، وهي تحويل لبنان مجدّداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، تتوقّع الأوساط السياسية الواسعة الإطلاع، تحوّلاً في اللقاء المرتقب ما بين الرئيس ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري، وذلك من حيث النقاش حول النقاط الخلافية التي أحبطت ولادة الإتفاق بينهما عشية عيد الميلاد الماضي.

وإذا كان من المبكر الحديث عن مؤشّرات جديدة على خط تأليف الحكومة، فإن الأوساط السياسية نفسها، تعتبر أن العقدة لم تعد في عدد الوزراء أو توزيع الحقائب الوزارية، بل تتركّز اليوم في طبيعة الفريق الوزاري الذي سيشكّل الحكومة الجديدة، والذي لن يكون اختصاصياً مئة بالمئة، وبالتالي، غير قادر على تنفيذ أي خطة إنقاذية تحظى بدعم من المجتمع الدولي. وبالتالي، فإن هذا المسار سوف يقود حتماً، وكما تكشف هذه الأوساط، إلى عودة الحديث عن حكومة سياسية، مما سيؤدي إلى عملية خلط للأوراق على كل المستويات.

وتخلص الأوساط السياسية نفسها، إلى التحذير من استمرار تعطيل التأليف، فيما الوضعان الصحي والأمني في دائرة القلق والمخاوف من تصعيد واسع.