ربيع الدبس

آلمنا جميعاً أن يرحل عن كنيسة أنطاكية وسائر المشرق ،في مطلع العام الجديد ،وجهٌ نوراني طالما أضاء باب توما والقصاع ومعلولا وصيدنايا بانعكاس نور الرب في وجدانه القومي وإيمانه اللاهوتي وانتمائه إلى الإنسان والحق في بلادنا ، التي كُتب عليها أن تجابه الوثنية المستترة في ثوب الباطل على كرّ الأزمان والدهور.

هذا الوجه المشرق كان الأسقف لوقا الخوري ،الوكيل البطريركي لصاحب الغبطة يوحنا العاشر يازجي. والمطران لوقا، الذي طاوَله الوباءُ العاصف بالعالم كله ، لن يتمكن من العصف بسمعته الزكية ومواقفه الأبية ، منذ قراره الحاسم بخدمة الله إلى تصديه المشهود للإرهاب بالقول والفعل والحركة ، إلى رفضه دخولَ السفير الأميركي إلى الكنيسة المريمية بدمشق مطلعَ الأحداث المفتعلة في سورية خلال العقد الماضي ، وهي أحداث جِسام استقرتْ في يقين المطران الراحل هويةُ صانعيها ومؤجّجيها.

تعدّدتِ اللقاءات بالمطران لوقا وتعمّقتْ ، في دمشق وبيروت ورياق وزحلة وشتورا ، لأن كيمياء الإنسجام تُفصح عن نفسها بعد اللقاء الأول، قبل أن تترسخ في القلب والعقل والروح. فنحن مثلاً لم يكن العيد ليأسرنا خصوصاً في مظاهر الزِّينة لأن العيد محبة تُشذّبنا من الداخل. ولم نكن نتبادل التهاني في الأعياد تبادلاً طقسياً جامداً بل تبادلاً من دفق المودّات، سكنَ النفس قبل الكلمات،وأقام في الفؤاد قبل أن تنطقه الشفاه حروفاً وكلمات، كأننا كنا نُجلجلُ في الأعماق قول محمود درويش، شاعرالأرض السليب: «فحسْبي وحسْبُكِ أنّا نعيش معاً، للأبد».

كان المطران لوقا مشغوفاً بالقضية الأقدس، قضية فلسطين الحبيبة التي آذاه أن تطول رحلتها على الجلجلة إلى هذا الحد، وكان يعنيه أن يقول فيها نشيداً يُبَكّتُ بإيقاعه سيمفونية الإستسلام المعزوفة على عفن الضمائر. لكنه كان مأخوذاً بشخصية الرئيس بشار الأسد، ومُكْبِراً لظاهرة المقاومة النبيلة، خصوصاً على مساحة لبنان وسورية والعراق وفلسطين .

لوقا الخوري...

أيها المنسول من ارتفاع حرمون، البهيّ كقاسيون، سنفتقدكَ في المسرات وفي الأحزان، في لهجتك الشامية الجميلة وحبك الجياش للبنان المُعذّب ... لكننا ندرك أن العالَم العُلويّ قارَبَك إلى عليائه. فالعالم الإلهي لا يخضع لتقديرات البشر لأنه تَوَهُّج، وفي التوهج تنداح الوجوه. ونحن مدعُوّون إلى الإنخطاف بالنعمة والتكوُّن منها، لذلك جاهدْتَ في ألاّ تخالط الظلمة لأن سُكناك في الملكوت. «هلُمُّوا نصعد إلى جبل الرب»، لئلا نصالح السقوط. فالذي قَدِر أن يُخرج المخلوق من العدم إلى الوجود المنظور قادر على رفعه إلى الوجود غير المنظور. كذا يتسربل الإنسان بالضياء، ويتعمّد بالنار والنور.