يبدو أن الاحتياطي الفيدرالي ليس سعيداً بالحديث السائد عن فقاعات الأصول، خذ على سبيل المثال شركة تسلا، فكما كتب زميلي "جون أوثرز" في (Bloomberg Opinion): "المخاطر تفوق بكثير المكاسب المُحتملة. وكلما رأينا مثل هذا السلوك الجنوني، كلما وجب علينا الاستعداد لاتخاذ إجراءات مُراوغة ضد فقاعة الاستثمار الحقيقية هذه".

ولنأخذ العملات المشفرة كمثال آخر، حيث كتب "سكوت مينيرد" وهو كبير مسؤولي الاستثمار في "استثمارات غوغنهايم" (Guggenheim Investments) أن ارتفاع "بتكوين" الصاروخي غير مُستدام على المدى القريب".

وعلى نطاق أوسع، بدأت قائمة مراجعة "بنك أوف أمريكا" تمتلئ بالإشارات التي لطالما دلت تاريخياً على تصحيح السوق الهابطة في الأصول الخطرة.

وحتى الآن، لم يقل البنك المركزي بشكل مباشر إنه قلق بشأن ارتفاع أسعار "تسلا" و"بتكوين"، ومن المحتمل ألا يفعل ذلك على الإطلاق. ولكن يُمكن تفسيره من خلال نبرة تصريحات المُتحدثين في الأسبوع الماضي، إذ إنها إشارة مُبكرة على أن الولاية الثالثة للاحتياطي الفيدرالي تتجاوز ما يتعلق فقط بالحد الأقصى للتوظيف واستقرار الأسعار - الاستقرار المالي - حيث إنها بدأت تُلقي بثقلها على بعض صانعي السياسات المُقبلين خلال عام 2021 في الوقت الذي يتم فيه تشبيه سوق الأسهم بنوادي القمار.

وهذا يُشكل أحد التفسيرات الوحيدة التي يُمكنني أن أتوصل إليها عن سبب قيام مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بالحديث عن تخفيض مُشترياتهم من الأصول - وربما في وقت أقرب مما يتوقعه المُستثمرون – في الوقت الذي خسرت فيه سوق العمل الأمريكية 140 ألف وظيفة في ديسمبر وكان مقياس التضخم المُفضل لدى البنك المركزي هو حوالي 1.4%.

وعلى الرغم من أنني أشُك في حدوث أي نوع من "التناقص التدريجي" هذا العام، وهذا إلى حد كبير فقط لجعل المُتداولين مُرتاحين عند ذكري لكلمة "التناقص التدريجي"، فمن الممكن أن يُفكر صانعو السياسة الآن في نوع المخاطر التي قد تنشأ من جراء التوقعات بأن عوائد سندات الخزانة الأمريكية ستكون قريبة من أدنى مُستوياتها إلى أجل غير مسمى.

وربما كان العنصر الأكثر إثارةً للإعجاب في ارتفاع الأسهم خلال الأسبوع الماضي هو أنه جاء بالرغم من ارتفاع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بأكثر من 20 نقطة أساس، إلى 1.12%.

وتذبذب مؤشر "إس و بي 500" يوم الاثنين حيث ارتفعت العائدات لتتجاوز 1.13%، لكنها ظلت مرنة نسبياً بالنظر إلى الانخفاض الحاد في "بتكوين" و"تسلا".

وفي حين أنه من الحماقة تنبؤ مستوى مُحدد يمكن للأسواق المالية أن تجد التوازن عنده، فإن الرسم البياني البسيط للسنوات الخمس الماضية يُشير إلى انحدار في عوائد 10 سنوات إلى أدنى مُستوى قياسي قبل 2020 عند 1.32% وعند العودة إليها سيكون بمثابة اختبار مثير للاهتمام لقوة سوق الأسهم. وهذا ليس بعيداً عن عائد توزيعات أرباح "S&P 500" في هذه المرحلة.

السياسة النقدية المتوقعة

منذ وقت قريب كان التفكير السائد بين متداولي السندات هو أن بنك الاحتياطي الفيدرالي سيتدخل لوقف الارتفاع المُستدام في العوائد. وفي الآونة الأخيرة قبل شهر، توقع الكثيرون من البنك المركزي أن يُغيّر مُشترياته من الأصول وشراء المزيد من سندات الخزانة طويلة الأجل. لكن هذا لا يبدو فقط أنه غير وارد، ولكن كما أظهر محضر اجتماع ديسمبر الماضي، فإن هُناك جُهدا جادا للتفكير في أفضل السبل لتقليص عمليات شراء الأصول.

وإليكم ما قاله يوم الخميس رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا "باتريك هاركر" عن "التناقص التدريجي" أثناء إجابته على الأسئلة بعد خطابه في اجتماع افتراضي: "يمكنني أن أرى، على الأرجح، حدوث ذلك في نهاية عام 2021 أو أوائل عام 2022. لكن الأمر كله سيعتمد على مسار الاقتصاد، والذي سيعتمد على مسار الفيروس".

وأضاف قائلاً: "يُمكن أن يتسبب ذلك في اضطراب الأسواق إذا حاولنا القيام بذلك في وقت مبكر جداً، لذا، لدي درجات حذر عديدة حيال هذا الأمر، لجعلها ثابتة أثناء تقدمها إلى أن نبدأ في رؤية تعافي الاقتصاد بشكل حقيقي".

وهذا ما قاله "رافائيل بوستيك "، وهو رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا في مقابلة تلفزيونية مع قناة فوكس بيزنس سُجلت يوم الأربعاء وبُثت يوم الخميس: "في بياننا، قلنا إننا نريد إحراز تقدم كبير نحو الهدف. لكنني لا أعتقد أنه يتعين علينا بالضرورة الوصول إلى الهدف، إنني بالتأكيد مُنفتح على احتمال أننا قد نُعدلها في وقت أقرب مما يتوقعه الناس".

من جهته قال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في دالاس "روبرت كابلان": "في حين أن الوباء من المُرجح أن يكون عبئاً على الاقتصاد "لجزء كبير من عام 2021"، بمجرد أن يتحقق الانتعاش وتطعيم جزء كبير من السكان، يجب أن يبدأ مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي في التفكير في "متى يمكننا البدء في التناقص التدريجي". وأضاف أنه: ستكون هناك مرحلة يكون فيها الاقتصاد والأسواق أكثر صحة بكثير، وعندها سيكون من الممكن التخلي عن بعض هذه الإجراءات الاستثنائية".

وخلال مؤتمر عبر الهاتف قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو "تشارلز إيفانز" للصحفيين "قد تسير الأمور بشكل أفضل بكثير، وينتهي بنا الأمر إلى القيام ببعض أنواع "التناقص التدريجي" في أواخر عام 2021 أو أوائل عام 2022.

التناقص التدريجي

هذا كله فجأة يُعد حديثاً مُتتالياً عن "التناقص التدريجي". وربما يكون السبب وراء ذلك هو اكتساح الديمقراطيين لانتخابات جورجيا، مما يزيد من احتمالية أن يؤدي المزيد من المساعدات المالية إلى تنشيط الاقتصاد بشكل أسرع مما لو كان الكونغرس منقسماً.

وفي كلتا الحالتين، سواء التحفيز الحكومي أو تقليص مشتريات الأصول، حذّر "مارك كابانا" من "بنك أوف أمريكا" من "مخاطر المزايا" لتوقعات البنك في نهاية العام لعائدات الخزانة لمدة 10 سنوات بنسبة 1.5%. ورفع محللو "جي بي مورغان" توقعاتهم إلى 1.45% من 1.3%.

وفي وسط هذه الضوضاء، جاء التوجيه الأكثر أهمية الأسبوع الماضي من نائب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي "ريتشارد كلاريدا" الذي قال: "إن توقعاتي الاقتصادية تتفق مع سياستنا في الحفاظ على الوتيرة الحالية للمُشتريات طوال الفترة المُتبقية من العام". وبينما قال إن ذلك قد يتغير، أوضح في تصريحه أن "الأمر قد يستغرق بعض الوقت قبل أن نفكر في تقليص وتيرة مُشترياتنا".

يبدو الأمر كما لو أن هذا الحصان قد خرج فعلاً من الحظيرة.

وحتى لو لم يؤد التفكير في "التناقص التدريجي" إلى أي إجراء وشيك، فإن الميل نحو تقليص مُشتريات الأصول، ولو بشكل مُتواضع، يدعو إلى التشكيك في واحدة من أقوى ركائز الارتفاع في الأصول الخطرة على مدى الأشهر العديدة الماضية. وفي حين أنه من الصحيح أن الحالات السابقة التي قام فيها بنك الاحتياطي الفيدرالي بإنهاء برامج التسهيل الكمّي كان لها تأثير غير مُتوقع في خفض عوائد سندات الخزانة، فلا يوجد ضمان بحدوث ذلك مرة أخرى إذا كانت السياسة المالية تيسيريّة بالشكل المحُتمل أن تكون عليه.

يريد بنك الاحتياطي الفيدرالي تعزيز سوق عمل قوية والتضخم بشكل موثوق به فوق 2% حتى يتمكن في النهاية من العمل بعيداً عن حد الصفر لأسعار الفائدة. ويبقى السؤال مفتوحاً ما إذا كان بإمكانه تحقيق ذلك ومدى الوقت الذي سيستغرقه للوصول إليه في ظل الوباء العالمي.

ولكن في الطريق للوصول إلى هذه الأهداف، هناك مُستوى من التكهنات المُنتشرة حول أسعار الأصول والتي حتى بنك الاحتياطي الفيدرالي سيسعى إلى إحباطها، سواء في "بتكوين" أو "تسلا"، أو صندوق "أيه أر كيه إنوفيشين" (ARK Innovation) للتداول في البورصة أو شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة. وقد يكون حديث محافظي البنوك المركزية الأسبوع الماضي هو بمثابة الإنذار الأول.