لا بديل عن الحكومة الإنقاذية... وإلاّ لكان ماكرون دعا الى عقد مؤتمر تأسيسي برعايته

تؤشّر جميع المعطيات الى أنّه ليس من تشكيل حكومة لا في الوقت القريب ولا حتى البعيد لا سيما بعد تسريب فيديو بعبدا أكان مقصوداً أو غير مقصود، واتساع الهوّة بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري أكثر فأكثر. وفي ظلّ هذا الجمود السياسي وتعطيل عمل المؤسسات تأتي الدعوات من كلّ حدب وصوب لتفعيل عمل حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسّان دياب أقلّه لإجراء بعض الإتفاقيات مع دول الخارج فيما يتعلّق باستحصال لبنان على اللقاحات لمحاربة وباء «كورونا» الذي وصل الى مرحلة خطيرة جدّاً في لبنان مع تسجيل أكثر من 6 آلاف إصابة في اليوم الواحد في بلد يضمّ نحو 6 ملايين نسمة بمن فيهم النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين الذين يُشكّلون مليوني نسمة.

وفي ظلّ فشل بعض محاولات التقريب في وجهات النظر بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري، وكبديل ربما عن تشكيل الحكومة المنتظرة، طرح رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل «تغيير النظام» من خلال عقد «مؤتمر تأسيسي وطني» كمدخل لحلّ كلّ الإشكالات أو الثغرات القائمة في الدستور أو «وثيقة الوفاق الوطني» والتي غالباً ما تؤدّي الى الجمود السياسي والتعطيل وحتى الى الفراغ. غير أنّ هذا الطرح لم يلقَ أي تجاوب من قبل الأطراف السياسية الداخلية، على ما أكّدت مصادر سياسية مطّلعة، حتى من الحلفاء، سيما وأنّ هذا الطرح قد سبق وصول العماد عون الى قصر بعبدا بسنوات (في العام 2012) ولم يتمّ التوافق عليه آنذاك، وجرى استبداله بعد ذلك بـ «التسوية السياسية» التي حصلت وأوصلت عون الى بعبدا وأعادت الحريري الى السراي الحكومي..

وتقول بأنّ البعض يجد أنّه من المستحيل اليوم حصول أي تغيير للنظام أو تعديل الطائف من دون حصول التوافق السياسي أو الإجماع الوطني عليه، وأن يكون لدى جميع الأفرقاء النيّة الفعلية بضرورة التغيير بعيداً من حسابات الربح والخسارة لهذه الطائفة أو تلك، أو هذا الحزب أو ذاك. ولكن قد يحصل في حالة واحدة فقط، إذا أجمعت دول الخارج الفاعلة والمسيطرة في لبنان والمنطقة على ضرورة عقد مؤتمر وطني في لبنان أو في إحدى دول الخارج لتغيير النظام أو الدستور اللبناني. غير أنّ هذا الأمر لن يحدث في المدى المنظور إذ ليس من قرار دولي لعقد مثل هذا المؤتمر.

وإذ لم يؤيّد البعض وثيقة الوفاق الوطني منذ توقيعها في اتفاق الطائف في العام 1989، إلاّ أنّه عاد وتقيّد بموادها كونها أصبحت دستور البلاد، على ما لفتت المصادر، لكنّ هذا الأمر لم يُرمّم مسألة الثغرات الموجودة في بعض موادها، ولا حتى العلاقات السياسية المتصدّعة. علماً بأنّ كامل بنود هذه الوثيقة لم يُطبّق حتى الآن وأبرزها إلغاء الطائفية السياسية، وبعضها الآخر يجري تنفيذه بحسب بعض القراءات أو الإجتهادات الخاصة له من قبل هذا الفريق أو ذاك.

وذكرت بأنّ البعض يُراهن على حصول حرب داخلية جديدة فيتأتى عنها الدعوة الى المؤتمر التأسيسي أو تعديل النظام، وفرض كلّ من اللاعبين شروطه، على غرار ما حصل في الطائف لإنهاء الحرب التي سُميت بالأهلية، غير أنّ هذا الرهان ساقط لأنّ لا حرب داخلية حالياً لاعتبارات عدّة. فكلّ التوتّرات والمواجهات التي شهدها الشارع بعد انتفاضة 17 تشرين الأول من العام 2019 جرى لجمها ولم تؤدّ الى أي حرب، الأمر الذي يؤكّد فشل مثل هذا الرهان. كما أنّ هذه الإنتفاضة لم تستطع تغيير النظام، على ما طالبت، رغم كلّ التظاهرات التي قادتها ضدّ النظام السياسي برمّته وضدّ حكم المصارف أيضاً، كون القرار السياسي ليس بيدها.

في المقابل، شدّدت أوساط مقرّبة من «التيّار الوطني الحرّ» بأّنّه لا حلّ في لبنان من دون إعادة هيكلة النظام، لأنّ التعايش المسيحي- الإسلامي بالطريقة التي هو حاصل فيها اليوم لم يعد ينفع. ولهذا تتمّ المناداة بتطبيق اللامركزية الإدارية الموسّعة بما فيها المالية، كالخلاص الوحيد للبنان، فضلاً عن المداورة بالرئاسات سيما وأنّ حكم البلاد من قبل «ترويكا» أي من ثلاثة رؤوس لا يُمكن أن يستمرّ. فالخلافات السياسية تنعكس على الواقع الإجتماعي وعلى الترابط بين المواطنين من جميع الطوائف والأحزاب والإنتماءات.

وأشارت الى أنّ اللامركزية الإدارية قد لا تكشف الفاسدين في هذه الدولة، ولكنّها على الأقلّ تُنظّم الأمور ويحصل فيها كلّ شخص على حجمه. غير أنّ المشكلة حالياً أنّ الشركاء في الوطن يرفضونها كونهم يسيطرون على الآخرين منذ ثلاثين عاماً، ولأنّه لدى تطبيق اللامركزية الإدارية سوف يتمّ إلغاء المجالس والصناديق والجمعيات التي يتغذّون منها مالياً. كما أنّ من أسباب رفضهم لها هو الإدّعاء بأنّها تُشجّع على التفرقة بين أبناء البلد الواحد، في الوقت الذي لا نجد فيه أنّ المركزية المطبّقة حتى الآن قد أفادت هؤلاء أو البلد في شيء... ولهذا فبرأي أوساط «التيّار» أنّه لا يمكن تفكيك النظام الفاسد إلاّ من خلال اللامركزية الإدارية الموسّعة والمداورة بالرئاسات.

وتابعت المصادر السياسية مؤكّدة على أنّه ليس من توافق داخلي حالياً على اقتراح تعديل الدستور، ولو كان هذا التوافق قائماً لاستُخدم في تشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن. وأكّدت في الوقت نفسه أنّه لو كان هناك قراراً خارجياً بضرورة تغيير الدستور في لبنان، لكان دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الى ضرورة عقد مؤتمر تأسيسي وطني وقاده ورعاه. غير أنّه اكتفى خلال زيارتيه الى لبنان بالمطالبة بعقد جديد وفق خارطة الطريق التي نصّت عليها المبادرة الفرنسية، وهذا يعني بأنّه أراد أن يُحقّق المسؤولون السياسيون الإصلاحات المطلوبة وفق الدستور الحالي لأنّ الوقت غير مناسب لإجراء التغييرات في النظام.

من هنا، فإنّ تطوير النظام، على ما ذكرت، أو تعديل بعض مواده المطّاطة والذي يحصل عادة بشكل روتيني في الدول المتطوّرة كلّ نحو عشر سنوات أو أقلّ، يُمكن حصوله ولكن ليس في ظلّ الظروف المشحونة القائمة حالياً بين القوى السياسية، إنّما عندما يسود التوافق فيما بينها، وتُصبح المصلحة الوطنية العليا فوق كلّ المحسوبيات والمحاصصات والمصالح الشخصية الضيّقة.