عندما وصل العماد ميشال عون الى سدة الرئاسة عام 2016 كان حدثا تاريخيا مهما لناحية وصول رئيس له قاعدة شعبية كبيرة وله افكار وبرنامج اصلاحي تمردي على الواقع السيىء في لبنان. وعندما اصبح عون رئيسا للجمهورية، راهن المسيحيون على نقطتين: النقطة الاولى كانت ترتكز على اصلاح او ورشة عمل تؤسس لمشاريع ترسخ منطق الدولة. والنقطة الثانية تقضي بادخال تعديلات على اتفاق الطائف الذي حرم رئيس الجمهورية من كل صلاحياته، وبالتالي، يستعيد المسيحيون حقوقهم في الدولة اللبنانية ويضفي هذا التصحيح لاتفاق اساء الى طائفة برمتها عدالة وانصافاً على النسيج الاجتماعي اللبناني.

انما للاسف المشروع المؤسساتي الذي وعدنا به العهد والذي كان ليحدث صدمة ايجابية على الصعيد المالي لم يطبق والوعود التي اطلقها لم تترجم الى افعال، لا بل سادت حالة جمود حول ايجاد اي حل استباقي للازمة المالية الذي كان متوقع حصولها. ذلك ان تحقيق انجازات اقتصادية ومالية كانت لتعزز وضع العهد وتسجل نقاطاً ايجابية له، وعليه يبدأ الرئيس عون معركته في تعديل الطائف واستعادة صلاحيات رئيس الجمهورية.

وبما ان الوعود الاصلاحية لم تنفذ على ارض الواقع، ومع دخول لبنان في دوامة الازمة المالية، وبدء تفتت الدولة وفقدان الليرة اللبنانية جزء كبير من قيمتها، والاهتراء الذي اعترى المؤسسات ومعاناة الشعب اللبناني من الجوع والفقر والعوز، وصولا الى انفجار مرفأ بيروت، لم يعد ممكناً او جائزاً البحث باتفاق الطائف ولبنان يلتقط انفاسه.

والحال ان مسار تعديل اتفاق الطائف كان ليكون نقطة تحول ايجابية في تاريخ لبنان ومحطة مهمة تعيد العدل والمساواة بين الطوائف جميعها لو تحقق بعضاً من المشروع الاصلاحي للعهد، لان البلاد كانت لتكون في حالة افضل على الصعيد المالي والمعيشي. طبعا لا نحمّل العهد المسؤولية الكاملة لما يحصل اليوم من ازمة مالية غير مسبوقة من تاريخ لبنان، ولكن ما نريد ان نقوله ان قيام العهد و«كتلة لبنان القوي» بمشاريع تفيد البلد كان ميّزه عن باقي الافرقاء السياسيين واعطاه نقطة انطلاق قوية لطرح اي تغيير في النظام. بيد ان اتفاق الطائف حصل في ظروف قاهرة، وهذا ما يجعل مناقشته وتعديله امراً طبيعياً ومنطقياً لانه ما كان يجب ان يتم استثمار معارك ادمت وقتلت عائلات لبنانية من كل الطوائف ان تصب في مصلحة طائفة على حساب اخرى. ومن منطلق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون له الحق في التصرف بكرامة وبممارسات تليق بموقع رئاسة الجمهورية، اذ ان احداً لا يقبل ان يستمر رئيس الجمهورية مجرداً من اي سلطة ونفوذ بينما تتمتع الرئاسة الثانية والثالثة بمطلق الصلاحيات.

ولكن ما الذي جعل العهد يضيع فرصة تغيير الطائف؟

بحزن عميق وباحباط كبير، وخاصة بعد الازمة المالية التي تعصف بالبلاد وتهدد كيان الوطن ووجوده وتغرق شعبه في الفقر والجوع يوما بعد يوم، باتت فرصة تعديل الطائف التي عول عليها كثيرون تتبدد وتصبح اصعب يوميا مع تدهور الاحوال الاقتصادية والمعيشية والكيانية. الفرصة الذهبية التي كانت بيد العهد باحداث تغيير لصالح موقع رئاسة الجمهورية تضاءلت وتلاشت وبات طرحها في هذا التوقيت امر خاطئ. بكل صراحة، من يبالي اليوم من مسيحيين او من مسلمين حصول اي تبديل في النظام السياسي والمواطن يخوض معركة بقاء في لبنان. نعم اضحى الهم الاساسي لدى المواطن اللبناني المسيحي حاليا تأمين لقمة العيش وحاجات عائلته في وقت تراجع مطلبه باستعادة بعض من الصلاحيات لرئاسة الجمهورية التي خسرها في اتفاق الطائف.

هكذا اضحى العهد القوي ضعيفاً في مسار تعزيز موقع رئيس الجمهورية ولن يستطيع تعويض ما خسره في الطائف، لان اي توجه لتبديل النظام في هذه المرحلة ستكون تداعياته خطيرة على لبنان الذي يغرق ويذوب وينهار ويتفكك.