المشكلة في تقديم المصالح الشخصية على مصلحة الوطن واستمرار الرهان على العقوبات الخارجية

يجد البعض أنّ مجرد اتصال رئيس الجمهورية ميشال عون بالرئيس المكلّف سعد الحريري والطلب منه عقد لقاء بينهما، أو اعتذار الحريري عن تشكيل الحكومة، من شأن أي من هاتين الخطوتين حلّ الصراع القائم اليوم بين الرئاستين الأولى والثالثة. كما يعتقد البعض الآخر بأنّ فرض المزيد من العقوبات الأميركية على شخصيات سياسية بارزة بمن فيها الرئيس الحريري، أو فرض الإتحاد الأوروبي العقوبات على شخصيات لبنانية متهمة بالفساد، من شأنه أيضاً إيجاد أو تحريك الحلّ لمرحلة الجمود الحكومي الحالي..

غير أنّ أوساطاً سياسية بارزة رأت بأنّ الخلافات الداخلية التي تُعرقل تشكيل الحكومة رغم الحاجة الماسّة لتأليفها لإنقاذ البلاد من الإنهيار الشامل، لن تُحلّ لا باتصال ولا باعتذار ولا بالرهان على الخارج، وإنّما بوجود النوايا الفعلية لدى المسؤولين السياسيين لتقديم الحلول، ولتقديم مصلحة الوطن على مصالحهم الشخصية. ويبدو أن هذه النوايا غير موجودة حتى الآن، مع الأسف، رغم كلّ المساعي الداخلية على الساحة السياسية للتقريب في وجهات النظر بين عون والحريري.

وتقول بأنّه من المؤكّد أنّ الحريري لن يعتذر، وقد سبق وأن أعلن هذا الأمر مراراً وتكراراً.. وحتى ولو اعتذر فقد لا يُشكّل هذا الأمر حلا، لأنّه عندها سيدخل البلد مجدّداً في مسألة الإستشارات النيابية المُلزمة لتسمية شخصية سنيّة أخرى، وسيحصل بالتالي ما حدث مع السفير مصطفى أديب الذي جرت تسميته بعد جهدِ جهيد ثم اعتذر لصعوبة التأليف، أو ما حصل قبله مع الرئيس حسان دياب الذي شكّل حكومة بهدف الإنقاذ وتحقيق الإصلاحات المطلوبة، لكنّها لم تتمكّن من تنفيذ بيانها الوزاري لسبب أو لآخر، ولا تزال حتى الآن بعد استقالتها كحكومة تصريف أعمال غير فاعلة. فضلاً عن أنّ الثنائي الشيعي يتمسّك حالياً بعودة الحريري الى السراي الحكومي ولا يريدان عنه بديلاً، على الأقلّ حتى الآن.

أمّا اتصال الرئيس عون بالرئيس المكلّف، خصوصاً بعدما أعلنه مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية عن أنّ قصر بعبدا ينتظر أن يأتيه الحريري بطرح حكومي يُراعي التمثيل العادل وينفي بأن يكون عون قد طالب بالثلث المعطّل، أو أن يكون هناك أي تدخّل للنائب جبران باسيل أو لـ «حزب الله» في عملية التأليف، وما جاء عليه من ردود من «تيّار المستقبل»، فلن يكون له أي ردّة فعل إيجابية من قبل الرئيس المكلّف. وقد سبق للحريري أن أعلن بأنّه قدّم لعون التشكيلة التي يراها مناسبة للمرحلة، وليس مستعدّاً لتقديم سواها.

وبين هذا الموقف وذاك، شدّدت المصادر نفسها على أنّ كلّ من القوى السياسية لا يزال يُفكّر بمستقبله السياسي، مع الأسف، وليس بمستقبل لبنان واللبنانيين رغم استفحال الأزمات على مختلف الأصعدة، يُضاف إليها وباء «كورونا» وضرورة تشكيل حكومة إنقاذية فاعلة. وهذا الوضع سيجعل تشكيل الحكومة يؤجّل الى أيّار المقبل إذ تدخل البلاد عندها في مرحلة التحضير للإنتخابات النيابية المقبلة قبل عام من موعدها، ومن بعدها الإستحقاق الرئاسي. ووقتئذٍ ستكون الحسابات مختلفة عن حسابات حكومة الإنقاذ المطلوبة حالياً، وإن كانت قضية الأحجام وإلغاء الطرف الآخر ستبقى قائمة ضمنها.

ولكن رغم ضبابية المشهد، يقول المعنيون بأنّ «حزب الله» يقوم حالياً بمسعى لتشكيل الحكومة الإنقاذية كونه يريد حكومة لا يتحكّم فيها فريق سياسي معيّن، تكون قادرة على تحقيق الإصلاحات وحلّ الأزمات التي يعاني منها الشعب اللبناني. وثمّة توجّه لديه لإجراء الإتصالات والمشاورات من أجل تحريك الأمور وإعادة الثقة بين عون والحريري، كذلك مع «التيّار الوطني الحرّ» الذي يتمسّك بالثلث المعطّل، بعيداً عن الرئيس عون، مطالباً بـ 7 وزراء له في الحكومة المنتظرة.

وعن استمرار رهان البعض في الداخل على الخارج لا سيما بعد تسلّم الرئيس الأميركي جو بايدن مقاليد السلطة، فأشارت الى أنّه رهان خاطىء وليس في محلّه ووقته. فملفات الشرق الأوسط، ومن ضمنها ملف لبنان وتشكيل الحكومة، ليست أولوية لدى الرئيس الأميركي الجديد، والدليل أنّ القرارات العشرين التي وقّعها فور وصوله الى البيت الأبيض تتعلّق بمكافحة وباء «كورونا» وبالأزمة الإقتصادية الداخلية والإرهاب المحلي. الأمر الذي يجعل النظر بملف الداخل اللبناني مؤجّل حالياً الى وقت لاحق.

علماً بأنّ أميركا وفرنسا ودول الخارج، على ما أوضحت، وإن كانت لا تضع لبنان من ضمن أولوياتها، إلاّ أنّها لا تريد وصوله الى الإنهيار الكامل. غير أنّها تترك الأمور على حالها، وفي حال وصلت الى القعر تتدخّل عندها بطريقة أو بأخرى. فالمزيد من العقوبات الأميركية ستسلك طريقها الى لبنان في الوقت المناسب، فيما الطلب السويسري اليوم لفتح ملفات الفساد في لبنان فهو مدعوم من قبل فرنسا وبريطانيا وبعض دول الإتحاد الأوروبي، ويحمل مناخاً دولياً في اتجاه محاسبة المسؤولين. وقد سبق للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن حذّر السياسيين اللبنانيين من إمكانية فتح هذا الموضوع في الوقت المناسب تمهيداً لإدراج بعض الشخصيات على لائحة العقوبات في الإتحاد الأوروبي لتلافي الوصول الى هذا الوضع.