أميركا تُعيد النظر في سياسة فرض العقوبات على لبنان انطلاقاً من سعيها للعودة الى الإتفاق النووي الإيراني

ثلاثة أشهر ونصف تقريباً مرّت على تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة الذي قدّم خلالها مسودة واحدة لرئيس الجمهورية ميشال عون ويصرّ على التمسّك بها رغم ملاحظات عون عليها. غير أنّ الفرصة لعودة تحريك الملف الحكومي باتت سانحة اليوم أمام الحريري والمسؤولين اللبنانيين أكثر من الأشهر الماضية لا سيما مع الكلام الأخير للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه حول ضرورة تطبيق المبادرة الفرنسية «المعدّلة»، أو «النسخة الجديدة» منها، إذا صحّ التعبير، وفق ما تقتضيه الظروف والمعطيات اللبنانية.

فالوضع القائم اليوم على الأرض، على ما تقول أوساط ديبلوماسية متابعة، لا يُمكن تغييره إلا من خلال إنتخابات نيابية أو بثورة شعبية فعلية. ولكن بما أنّه لن يكون هناك إنتخابات نيابية مُبكرة في لبنان كون غالبية الكتل النيابية ليست متحمّسة لإجرائها لأنّها لا تودّ إلغاء نفسها من البرلمان، فلن يتمكّن الشعب الراغب بتغيير النظام، أو على الأقلّ بمحاسبة المسؤولين والحصول بالتالي على بعض من مطالبه وحقوقه سوى انتظار الإنتخابات النيابية في موعدها لمحاولة فرض التغيير في صناديق الإقتراع.. كذلك لأنّه ليس من ثورة فعلية سيما وأنّ انتفاضة 17 تشرين لم تكتمل، وقد قال الرئيس ماكرون للمجتمع المدني أخيراً بأنّه فشل في تشكيل حِراك أو إنتفاضة أو ثورة، وهذا الأمر حقيقي، وإن كان السبب يعود في جزء منه لتفشّي وباء «كورونا»، وفي جزء آخر للقمع والتهديد الذي تعرّضت له بعض الشخصيات.

وأوضحت الاوساط بأنّه كما نجح الرئيس الفرنسي في الضغط على السعودية في العام 2017 لإطلاق الحريري من الإحتجاز بعد أن أرغمته على إعلان استقالته من الرياض، يُمكنه اليوم الضغط عليها لحلحلة الأمر معه، وتخفيف شروطها التي تتوافق مع الشروط الأميركية بتشكيل حكومة من دون «حزب الله»، وإلاّ فلا حكومة. فصحيح بأنّ مصالح الدول مجتمعة تتصارع في لبنان، غير أنّ بعضها يتقارب اليوم حول نقاط معيّنة، مثل أميركا وفرنسا، ولاحقاً أميركا وإيران وهذا لا بدّ وأن ينعكس على مواقف كلّ من السعودية وتركيا وسوريا وعلى لبنان في نهاية الأمر.

علماً بأنّه على صعيد منطقة الشرق الأوسط، تسود حالة من القلق سببها الإستشعار بالمتغيّرات مع وصول الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن الى البيت الأبيض، على ما اشارت الأوساط، وبدء شطبه بعض القرارات التي سبق وأن اتخذه سلفه دونالد ترامب. وما يُقلق بالطبع عدداً من الدول مثل تركيا والسعودية وبعض دول الخليج ومصر وسواها أنّ الأميركيين ينظرون إيجاباً لإعادة الإتفاق النووي مع إيران. وقد أعلن السفير الأميركي الأسبق في لبنان جيفري فيلتمان بأنّهم أخطأوا بحقّ سوريا وبفرض العقوبات السياسية وفشلوا فيها، معلناً أنّهم استخدموا لبنان للضغط على سوريا على مختلف الأصعدة، وهذا مؤشّر لما سيحصل لاحقاً. فقد لا تستكمل واشنطن سياسية فرض العقوبات الأميركية على «حزب الله» وحلفائه في لبنان في الوقت الراهن، الأمر الذي قد يُشكّل عنصراً إضافياً للحريري أمام تشكيل الحكومة.

وهذا الأمر إنّما يدلّ، على ما عقّبت الاوساط، على أنّ إدارة بايدن تفكّر في احتواء الأزمات وليس بالتصلّب بمواقفها. ومن هنا جرى تفويض ماكرون من قبل الأميركيين، مرّة جديدة، لإعادة تحريك الملف الحكومي، وفق المعطيات القائمة على الساحة اللبنانية. وقد أعطى ذلك دوراً لباريس بإقناع الرياض بالتخلّي عن تصلّبها تجاه الحريري، الأمر الذي سيجعله محرّراً من الضغوطات والقيود التي كانت تضعها عليه، ويدفعه بالتالي الى التفاوض مجدّداً مع الرئيس عون على شكل الحكومة ونوعها، وإن كان البيان الصادر عن المكتب الإعلامي للحريري قد أكّد بأنّه «لن تكون هناك حكومة إلاّ من 18 وزيراً.. ونقطة عالسطر».

ولفتت الاوساط الى أنّ ماكرون يأتي اليوم في حديثه الأخير لتحرير الحريري من المخاوف التي كانت تعتريه، إن من المطالب والشروط السعودية أو من العقوبات الأميركية التي كانت ستلحق به. ولأنّ الفرنسي يقف الى جانبه ويُشكّل الداعم الأكبر له، كما أنّ الثنائي الشيعي يقف الى جانبه، فلهذا سيُبادر، بحسب رأيها، الى تلقّف هذه الفرصة السانحة. فالجميع يعلم بأنّ الحريري هو من أكثر المتحمّسين للمبادرة الفرنسية، وقد أوحى في الداخل بأنّه المنقذ للوضع والوكيل الحصري لتنفيذ هذه المبادرة، فما الذي سيمنعه اليوم من العودة الى تسريع مسار تأليف حكومته بعد أن أزالت فرنسا عنه كلّ القيود التي كانت تُكبّله واستدركت الأخطاء التي وقعت بها وتراجعت قليلاً عن بعض الشروط التي أدّت الى تجميد التشكيل؟!

من هنا، تتوقّع الأوساط نفسها أن يُسارع الحريري الى إعادة تفعيل المبادرة الفرنسية بعد التعديلات التي طرأت عليها لما يتناسب مع الواقع اللبناني، والتي هي قائمة على تشكيل الحكومة، وإجراء الإصلاحات، والنظام أو العقد الجديد الذي يعمل عليه الفرنسيون لعدم الوقوع لاحقاً في الخلافات السياسية التي غالباً ما تؤدّي الى تجميد العمل السياسي في البلاد.

فالمبادرة الفرنسية عادت لتنطلق من جديد، على ما شدّدت الاوساط، وثمّة ضغط هائل سيُمارسه الفرنسي لمساعدة المسؤولين اللبنانيين، إذا أرادوا، على إعادة بناء بلدهم. ولهذا لا بدّ من تشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن، وإن لم تكن «كاملة المواصفات» تكون قادرة على بدء تنفيذ الإصلاحات وخطة الطريق المتعلّقة بالوضع الإقتصادي، والتعامل مع البنك الدولي والمؤسسات النقدية والمالية وإنعاش الغاز والنفط، والسير والمرور والقطار والبدء بمشاريع إقتصادية مجدية للبلد. أمّا إذا كان المسؤولون سيقفون ضدّ هذه المبادرة، فإنّهم سيدفعون الثمن حتماً، على ما ألمح ماكرون في كلامه، ما يعني إمكانية السير بالعقوبات من قبل الإتحاد الأوروبي وترك البلد الى مصيره الذي لم يعد مجهولاً أي الى الإنهيار الكامل. ومنذ الآن الى أن يأتي دور الناخبين بمحاسبة المسؤولين في صناديق الإقتراع، فلا أحد يدري إذا ما كان سيكون هناك بلد بعد!!