ما الذي حصل في اجتماع عبد الناصر ـــ شهاب الشهير فأدخل الغجر في تعقيدات عملية تثبيت الحدود البريّة؟

يترابط موضوع ترسيم الحدود البحرية مع تثبيت الحدود البريّة المحدّدة أصلاً، رغم فصل مساريه أخيراً على طاولة المفاوضات غير المباشرة التي توقّفت مع العدو الإسرائيلي رغم الإنطلاق من «اتفاق الإطار» الذي رسم خطوطاً أوّلية لهذه المفاوضات. وقد اعتبر لبنان هذه الأخيرة «تقنية» بعد أن استشفّ من الحماس الإسرائيلي لإجرائها نوعاً من التطبيع معه، مع إمكانية تحوّلها من «غير مباشرة» الى «مباشرة»، على ما كان يأمل، بأن يسير لبنان على خط التطبيع على غرار ما فعلت بعض الدول العربية من باب عواقب ما سُمي بـ «صفقة القرن».

يؤكّد السفير السابق الدكتور بسّام عبد القادر النعماني بأنّ موضوع ترسيم الحدود الجنوبية للبنان هو موضوع سيادي معقّد، يحتاج الى فريق عمل كبير يضمّ مجموعة من الخبراء القانونيين والعسكريين والديبلوماسيين لمتابعة الموضوع بجميع تفاصيله، وليس موضوعاً تقنيّاً فقط. فالقرار في النهاية هو للشعب اللبناني سيما وأنّ المفاوضات تتضمّن التنازلات والتسويات، الأمر الذي يفرض على لبنان تحديد حقّه بدقّة. ولفت الى أنّ الخرائط التي غالباً ما توضع إثر التوافق على اتفاق ما، يُمكن أن يتمّ التلاعب بها، ولهذا فعلى الفريق المفاوض أن يمتلك دائماً الأدلّة والإثباتات الدامغة التي تؤكّد حجّته وحقوقه الى جانب الخرائط والمستندات.

وفيما يتعلّق بتثبيت الحدود البريّة التي تترابط مع ترسيم الحدود البحرية، وإن جرى فصلهما أخيراً والبدء بالبحريّة، يقول بأنّ بلدة الغجر التي يتمّ النزاع حولها اليوم مع العدو الإسرائيلي هي في شقّها الشمالي المتمدّد داخل الأراضي اللبنانية وشقّها الجنوبي الواقع تحت الإحتلال الإسرائيلي تُمثّل جزءاً من المعضلة المستمرّة حول ترسيم المثلّث الحدودي الذي يضمّ مزارع شبعا، بانياس، وبلدة النخيلة. والمفارقة أنّ خرائط إسرائيلية عدّة (كما تُظهر الخريطة الأولى أدناه)، فضلاً عن خريطة إتفاقية الهدنة (الخريطة الثانية المرفقة) تضع بلدة الغجر داخل الحدود اللبنانية، لكنّ القوّات الإسرائيلية المحتلّة ترفض الإنسحاب منها وفق ما تُطالبه القرارات الدولية ذات الصلة، بحجّة أنّها «غير لبنانية».

وفيما يتعلّق بالخرائط التي هي بحوزة الجيش اللبناني فبعضها يُظهر بلدة الغجر داخل الأراضي اللبنانية وبعضها الآخر خارجها، الأمر الذي يثير بعض الريبة، على ما يضيف النعماني، لكنّه يُفسّر ذلك على أنّها خرائط «غير نهائية» أو مؤقتة لسبب ما. فلدى مراجعة خريطة «مرجعيون» في نسختها الثانية التي أصدرتها قيادة الجيش الفرنسي الحرّ عام 1944، نقلاً عن خريطة المكتب الجغرافي لقيادة جيش المشرق الفرنسي، فإنّ بلدة الغجر هي أيضاً داخل الحدود اللبنانية. والمعلوم أنّ السلطتين اللبنانية والسورية قد ورثت خرائط الإنتداب الفرنسي بعد الإستقلال عام 1943، وقامتا بـ «تعريب» أو إعادة نقلها ورسمها كما هي، الى حين الإنتهاء من التعريب الذي يستلزم وقتاً طويلاً، ولكن ليس قبل أن تقوم بالزيادة عليها أو بالنقصان. والسبب يعود في ذلك الى أنّه قد برزت مسائل التداخل الحدودي بين القرى اللبنانية والسورية عندما بُذلت المحاولات للـ «تثبيت» والـ «تحديد» على الحدود. وكانت لمنطقة مزارع شبعا وبلدة الغجر حصّتهما من الخلافات، سواءً على صعيد الترسيم أو على صعيد محاولات بسط السيادة السوريّة أو اللبنانية على تلك المنطقة الاستراتيجية الحسّاسة.

وعن الخريطة التي تقدّمت بها الحكومة اللبنانية الى الأمم المتحدة عام 2000 لتحديد منطقة مزارع شبعا، فيلفت الى أنّها كانت هي أيضاً خريطة «مرجعيون» معدّلة ولكن في نسختها الصادة عام 1966 عن مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني. وهو يؤكّد بأنّها هي أيضاً تُظهر بلدة الغجر ضمن الحدود اللبنانية، وهذا أمر جيّد. وقد جرى تصحيح إسم البلدة الى «الغجر»، بدلاً من «الرهجر»، على ما وردت خطأ في الخرائط القديمة السابقة.

ويقول النعماني بأنّ التفحّص الدقيق لهذه الخريطة (الثالثة المرفقة) التي تقدّم بها مدير عام الأمن العام آنذاك اللواء جميل السيّد بالإتفاق مع نظرائه السوريين، يُظهر أنّ النيّة كانت مدّ خطوط الحدود اللبنانية (التي تبدو وكأنّها قد انقطعت عن إطار الخريطة في الأسفل) الى النقطة الحدودية 41 بالقرب من بانياس. وبالتالي، فإنّ لبنان إستطراداً وفي واقع الأمر، كان يُطالب في العام 2000 بكامل المنطقة التي تضمّ مزارع شبعا، النخيلة والغجر، فلماذا تغيّر موقفه اليوم؟ الإحتمال كبير، على ما عقّب، أنّه جرى إدخال تعديلات لبنانية بموافقة سورية في خريطة عام 1966. فالإحتمال إذاً أن تكون الحدود المرسومة غرباً على الخريطة هي أيضاً إعتباطيّة ومرسومة يدويّاً.

ولإعطاء مثال آخر على أنّ الخرائط اللبنانية كانت تضع بلدة الغجر ضمن الحدود اللبنانية، يعتمد النعماني على الخريطة الصادرة عن السفارة الأميركية في بيروت في 22/4/1963، (الخريطة الرابعة المرفقة) والتي نشرها الخبير آشر كاوفمان في مقاله في العام 2009 تحت عنوان «دعوا الكلاب نائمة على قارعة (الطريق)». والباحثون الإسرائيليون لديهم قدرة أكبر للولوج السهل الى الأرشيف الرسمي للدول الكبرى، ففي إطار محاولات منع إسرائيل تحويل روافد نهر الأردن لريّ صحراء النقب، قامت السلطات السورية بحفر قناة شمال نبع الوزاني لجرف المياه إلى سهل بلدة النخيلة. وقد وقعت تباينات ونزاعات بين سوريا ولبنان في العام 1963 حول الحدود في هذه المنطقة.

ولكن أين ومتى وكيف ولماذا تمّ التعديل في الخرائط؟ يجيب السفير النعماني بأنّه في العام 1960 كانت سوريا قد منحت الجنسية لأهالي بلدة الغجر. كما أجرت إحصاءً وضمّتهم ضمن قرى وبلدات الجولان. كما أنّه في تلك الفترة، عيّنت الحكومة اللبنانية في تشرين الأول 1961، وفداً لبنانياً جديداً للحدود برئاسة قائد المدرسة الحربية آنذاك الزعيم جورج نوفل. وقد عقدت لجنتا الحدود والمياه إجتماعاً في وزارة الخارجية بتاريخ 20/12/1961 للتداول بنقطتي الحدود في الوزاني والغجر. وأفاد نوفل، كما هو مدوّن في محضر الإجتماع، أنّ «الحدود في منطقة الوزاني متداخلة. فهناك لسان من الأرض السورية يمتدّ داخل الحدود اللبنانية (يقصد توابع بلدة الغجر)، ولسان من الأرض اللبنانية يمتدّ داخل الحدود السورية (ويقصد بذلك على الأرجح بلدة النخيلة)». وأضاف بأنّه إذا اعتُمدت الأوضاع القائمة فعلياً يُصبح الوزاني الحدّ الفاصل بين البلدين، باستثناء الينابيع التي تُعتبر لبنانية مئة في المئة. واستطرد مُلحّاً على ضرورة «تحديد الوضع القانوني لهذه المنطقة بشكل نهائي باعتبارها منطقة عسكرية». أما في موضوع منطقة الغجر، فقد أفاد المهندس فؤاد البزري أنّ السوريين يشقّون طرقاً ويحفرون أقنية في الأرض المختلف عليها، وأنّهم يجرّون المياه (من نبع الوزاني) التي يحقّ للدولة اللبنانية فقط التصرّف بها. وعندما سُئل نوفل، أيّهما أفضل من ناحية المصلحة اللبنانية، واقع الحدود كما هي بالفعل (أي الإحتفاظ باللسان المؤدّي إلى بلدة النخيلة) أم كما هي على الخريطة (أي نهر الوزاني)، أجاب أنّ واقعها بالفعل أسلم وأفضل.

ويُشدّد على أنّ بداية التحوّل اللبناني بخصوص الغجر على صعيد الخرائط هو أثناء حكم الرئيس عبد الناصر لسوريا. وقد يكون الإجتماع الذي حصل على الحدود بين الرئيسين عبد الناصر وفؤاد شهاب في آذار 1959 مدعاة للبحث بينهما في مسألة «الثغرات» الموجودة على الحدود اللبنانية-السورية المشتركة مع العدو الإسرائيلي، ومن بينها بلدة الغجر. لكن المصادر اللبنانية والسورية غامضة ومبهمة في مقاربة هذه المسألة. ولا أحد تطوّع لتفسير لماذا فجأة في أوائل الستينات انتقلت الغجر في الخرائط اللبنانية من لبنان إلى سوريا!!!

وعن وضع أهالي بلدة الغجر اليوم، يقول النعماني بأنّهم يُطالبون حيناً بالإلتحاق بهضبة الجولان، وحيناً آخر بإعادة ضمّهم الى لبنان. ويذكر بأنّه لعلّ هذا ما يُفسّر ما حدث في 9 حزيران 1967 عندما توقّفت القوّات الإسرائيلية آنذاك على مشارف بلدة الغجر ولم تدخلها لمدة شهرين ونصف. ذلك لأنّ العدو الإسرائيلي اعتبر البلدة لبنانية بموجب خرائطه. وقد طلب وفد من الأهالي من القوّات الإسرائيلية دخول القرية نظراً لانقطاعهم عن العالم. كما طالب وفد آخر القوى اللبنانية بدخول القرية، ولكن السلطات اللبنانية رفضت اجتياز نهر الحاصباني والدخول إلى بلدة الغجر باعتبارها أراضٍ سورية. وفي النهاية وافق العدو الإسرائيلي على دخول القرية وجرى رفع العلم الإسرائيلي فوقها. وعندما احتلّت القوّات الإسرائيلية جنوب لبنان في العام 1978، بدأ التمدّد البطيء للبلدة حتى أصبحت بالقرب من نبع الوزاني. وفي العام 2000، انسحبت من الجزء الشمالي من البلدة الواقع ضمن الأراضي اللبنانية بموجب الخرائط المستحدثة. لكن في الإنسحاب الثاني بعد حرب تموز 2006، رفضت الإنسحاب من الجزء الشمالي من البلدة بحجة عدم التفريق بين العائلات والأهالي. علماً بأنّ المعلومات تُفيد بأنّ معظم الأهالي باتوا مع الأسف، منذ العام 1981 يحملون الجنسية الإسرائيلية.

وبرأيه، أنّه من وجهة نظر إستباقية زمنية، قد تكون السلطات اللبنانية قد أخطأت في عدم الدخول إلى بلدة الغجر بعد سقوط الجولان في حزيران 1967. ربما خشيت أن يعتبرها العدو الإسرائيلي خطوة عسكرية إستقزازية تستدرج لبنان ليُصبح الدولة العربية الرابعة المشاركة في الحرب ممّا يسمح للقوّات الإسرائيلية بالتقدّم نحو نهر الليطاني. ولهذا يُمكن القول بأنّ بلدة الغجر كبلدة لبنانية في الأصل، فيها مواطنون قد يعتبرون أنفسهم سوريين تارة... أو حاملين للجنسية «الاسرائيلية» تارة أخرى، باتت جزءاً من التعقيدات الملازمة لعملية ترسيم الحدود البريّة في منطقة مزارع شبعا والنخيلة، تُضاف الى التعقيدات التي اعترضت اليوم المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية وأوقفتها، وربما تترابط معها.