عاشت بعض الدول العربية منذ عشرات السنين تحت ظل الإنتداب الأجنبي الذي كان متنوعًا بين فرنسي وبريطاني .

المفارقة اليوم تكمن بالسياسة الروسية التي بدأت تأخذُ منحى آخر إبان إندلاع الحرب في سوريا، إذ تسعى روسيا الى فرض سيطرتها على أجزاء منها بغية تحقيق نشاطاتها العسكرية والإستراتيجية والحصول على مكاسب ومكانةٍ لها في منطقة الشرق الأوسط فكانت سوريا البوابة التي فُتحت أمامها. الدولة الروسية التي كانت شبه غائبة في مراحل سابقة لأسباب سياسية، عادت اليوم وبقوة، هي تريدُ أن تحفظ مقعدها على نفس الطاولة مع الولايات المتحدة والتي تقفُ وجهاً لوجهٍ معها في منطقة الشرق الأوسط المتعبة والمنهكة والتي تعاني من الحروب والصراعات المتنقلة.

ومع دخول بايدن البيت الأبيض يسعى الرئيس الجديد من خلال تصريحاته الى توحيد العالم والتهدئة على نطاق منطقة الشرق الأوسط، ويعتبرُ أن أقوى الأسلحة بالنسبة للولايات المتحدة هي تصحيح مسار سياستها في العالم بعد أن تراجعت أثناء ولاية ترامب بسبب سياسته المعادية والعنصرية.

إلى ذلك تستمرُ الغارات «الإسرائيلية» على قواعد محددة في سوريا على مرأى من روسيا التي تغضُ النظر بشكلٍ مستمر عن الغارات، وقد جاء إعلان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حول تقديم إقتراحٍ لإسرائيل كي تتواصل تل أبيب مع موسكو في حال توافر أي معلومات عن تهديدات إيرانية من الأراضي السورية كي تقوم روسيا بمنع تنفيذ هذه الهجمات.

وأمام هذا المشهد، يبدو أن العالم يعيشُ صراعاً روسياً إيرانياً في سوريا بعد أن سمحت روسيا لإسرائيل بشن هجماتٍ مباشرة وغير مباشرة على القوات الرديفة بهدف إضعاف النفوذ الإيراني في سوريا وهذا ما بدا جلياً وواضحاً من خلال دعوة روسيا إيران الى وضع ملف النفوذ الإيراني في دول الشرق الأوسط على طاولة المفاوضات مع الدول الراعية لإتفاق «لوزان « الى جانب الملف النووي الإيراني وهذا ما ترفضه طهران بشكلٍ قاطع.وكان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قد دعا السعودية الى حوار لحل الخلافات حول اليمن والبحرين والعراق وسوريا ولبنان، إلا أنَّ الدعوة الإيرانية لم تلق أذاناً صاغية في الرياض على الرغم من حديث الرئيس الاميركي جو بايدن حول وقف الحرب في اليمن.

ومع الحديث المتزايد عن عودة الإتفاق النووي بين إيران وأميركا والذي كان قد ألغاه ترامب عام 2018 تبدو المؤشرات إيجابية من خلال تعيين بايدن ل روبرت مالي مبعوثاً خاصاً لإيران إذ يملك الأخير نفوذًا واسعًا داخل إداراة بايدن سواء كان في أجهزة المخابرات أو عند مستشار الأمن القومي جيك ساليفان وهو أحد مهندسي الإتفاق النووي عام 2015 وله صولات وجولات من المباحثات حول إيران وسياستها في المنطقة.

الأوضاع الإقليمية والدولية انعكست بشكلٍ كبير على الوضع الداخلي اللبناني، وبإنتظار كل ما يدور في فلك هذه الملفات الشائكة في المنطقة، يبدو أن الجولات المكوكية التي يقوم بها الرئيس الحريري من أجل تشكيل الحكومة سواء كانت مجدية أم غير مجدية يمكن أن تكون من أجل تمرير الوقت. وحسب مصدرٍ مطلع أوضح أن الحريري يسعى جاهداً الى تقديم حلولٍ من أجل تشكيل الحكومة، إلى حين وضوح الرؤيا ونضوج كل الملفات العالقة في المنطقة وأبرزها ملف التفاوض الإيراني مع أميركا والحرب على اليمن .

فهل سنشهدُ غياب الدور الأميركي أو تراجعه في المنطقة وعودة اللاعب الروسي الى الشرق الأوسط وبقوة؟

ماذا عن الدور الإيراني في سوريا والملف النووي والمفاوضات مع أميركا؟

هل تحرك الحريري بإتجاه تركيا ومصر هو من أجل مساعدة لبنان فقط ! ومن من أجل تشكيل الحكومة؟

وماذا عن المبادرة الفرنسية التي لا زالت تصرُ على تشكيل الحكومة وعلى ماذا تراهن؟ وهل ستفرض عقوبات في حال عدم التشكيل على شخصياتٍ لبنانية؟

الحائط المسدود أمام الواقع الصعب في الخارج والداخل لا بدَّ أن يتضح مع تقدم الأيام والساعات...