تسود دولَ العالم المتمدن ركيزتان مفصلِيتان هما الدولة والمواطنون. والدولة ،التي هي المنظومة المركزية الأمّ، تتفاعل فيها المؤسسات وتتكامل تحت سقف القانون والقيم التأسيسية. أما الشعب فجرى تأهيله وطنياً وتربوياً وأخلاقياً على معنى المواطَنَة ومفهوم الحرية المسؤولة. لذلك صار الجميع أعضاء في الدولة ولو لم يكونوا مسؤولين في القطاع العام أو الخاص ،فالعضوية المنتجة شرف لأن الإرتباط عضوي والثقافة الوطنية مشتركة في فضاء الحياة الواحدة والمصير الواحد.

أما في معظم العالم الثالث فما زالت العصبيات الإبتدائية مهيمنة على الجمهور،حيث الولاءات منشطرة بين المذهب والطائفة، والعشيرة والقبيلة، والعائلة والفخذ ، والتقليد والعُرف ، إلى غير ذلك من الأمراض الفاتكة بالمجتمع والتي يكفيها مرض واحدٌ، كالفردية، لتجعل من ذلك المجتمع بنى متناحرة، متعددة الولاءات في الداخل الملغوم والخارج اللاغم.

أليس لبنان مثالاً صارخاً على هذا العبث الإنتحاري؟ ألم يصبح لبنان دويلات مجوّفة من الدولة؟ وهل نغالي إذا وصفناه بالهيكل المتداعي الآيِل إلى السقوط؟ وإلامَ سيؤدي الإشتراك أو حتى التغاضي عن الهدر والإختلاس والإفقار وسائر ضروب الفساد؟

فهل ستنتفض الذات الكبرى على الصغرى لدى أصحاب الشأن؟ هل سيصحو الضمير الوطني قبل فوات الأوان من أجل تشكيل حكومة وازنة ذات صدقية محلية وعربية ودولية؟ هل من مشروع سياسي إقتصادي إصلاحي حقيقي، ينقذ ما بقي من الهيكل العظمي اللبناني قبل الإنهيار الشامل؟ وهل ستتكاتف الجهود لتنظيم عملية التلقيح وتنزيهها وتفعيلها ضد الوباء القاتل؟ أم أن الأمانة التي نشهد تبخُّرَها من بين أيدينا كالطير المهاجر ليست طيراً ولا من يحزنون بل عنزة لا تطير ، وحالبوها بضرعها المُجَفف متمسكون.