إدارته ستقوم بخطوات تصحيحية من دون إلغاء القرارات السابقة وستشجّع على استكمال التطبيع


بعد استلام الرئيس الأميركي جو بايدن مقاليد السلطة في الولايات المتحدة الأميركية، اعتقد الكثيرون أنّه سيكون أكثر مرونة مع قضايا الشرق الأوسط، لا سيما بعد أن تحدّث عن الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية.. هذا الحلّ الأممي الذي كان قد «شطبه» الرئيس السلف دونالد ترامب من خلال إعلان بنود ما سُمّي بـ «صفقة القرن» التي رسمت ما سمّته «خارطة إسرائيل الموسّعة» التي ضُمّت إليها مساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية المحتلة كما من غور الأردن. فهل أسقط تصريح بايدن «صفقة القرن» بكلّ بنودها لا سيما فيما يتعلّق بإعادة إحياء حلّ الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية جنباً الى جنب؟!

تقول أوساط ديبلوماسية مطّلعة بأنّ «صفقة القرن» بكلّ بنودها لم تُلغَ حتى الآن، وإن كان هذا ما يأمله اللبنانيون والفلسطينيون وكلّ الشعوب العربية التي تجد في العدو الإسرائيلي عدوّاً استولى ولا يزال يُمعن في الإستيلاء على حقوق دول المنطقة برّاً وبحراً وجوّاً. وممّا يظهر فإنّ الخطوة الأولى التي قام بها ترامب للإعتراف بإسرائيل كدولة وعاصمتها القدس (المحتلّة) كان نقل السفارة الأميركية من تلّ أبيب الى القدس (في ك1 عام 2017)، ولم تلقَ خطوته هذه آنذاك سوى الإعتراض العربي والدولي اللفظي فقط من دون أي حصول أي منع له... وهذه الخطوة تلقى اليوم إجماعاً عليها داخل الإدارة الأميركية، ما يعني أنّ بايدن لن يتراجع عنها، ولن يُعيد السفارة الأميركية بالتالي الى تلّ أبيب. كما أنّ إدارة بايدن لم تُبدِ حتى الآن أي نيّة لإعادة النظر في القرارات المصيرية التي اتخذتها إدارة ترامب فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، ولا سيما الإعتراف بمدينة القدس عاصمة «موحّدة وأبدية» لإسرائيل، كما أرادها ترامب.

أمّا إعلان إدارة بايدن عن إعادة فتح القنصلية الأميركية في مدينة القدس الشرقية، ومكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، واستئناف المساعدات لوكالة «غوث» وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» التي كان ترامب قد قطعها (125 مليون دولار أميركي) لتسهيل تطبيق «صفقة القرن»، فهي إجراءات إصلاحية وتصحيحية لعهد ترامب، على ما أشارت، والعودة الى العهود السابقة. أمّا الهدف فهو إعادة تحسين صورة الولايات المتحدة كدولة تريد أن تُوازن بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي (رغم أنّ ذلك غير صحيح) من جهة، ولكي تعود بالتالي أكبر دولة مساهمة في تقديم المساعدات السنوية للأونروا من جهة ثانية، على ما كانت عليه قبل قرار ترامب، ولهذا عادت الى مسألة تقديم الدعم المالي والإنساني للفلسطينيين.

وتقول بأنّ تصريحات إدارة بايدن عن «استعادة التواصل الأميركي الموثوق مع فلسطين وإسرائيل»، بما يشمل إحياء العلاقات مع القيادة والشعب الفلسطينيين، ما يعني عدم تأييدها لـ «صفقة القرن» قد أبدت ارتياحاً لدى الفلسطينيين وشعوب المنطقة، كون هذه المواقف تبدو أكثر مرونة بكثير من القسوة التي أرساها ترامب في عهده. ولكن يُنتظر ترجمتها على أرض الواقع من خلال إعادة بعض الحقوق المسلوبة من الفلسطينيين مثل وقف الإستيطان كتطبيق الفعلي لحلّ الدولتين، والتراجع عن الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبالتالي إلغاء «صفقة القرن» وكلّ ما نصّت عليه. وعندها يُمكن الحديث عن عدم الإنحياز الأميركي لصالح العدو الإسرائيلي، علماً بأنّ ذلك لا يُمكن أن يحدث مع أي إدارة أميركية حالية أو مستقبلية كون أميركا هي «الحليفة الأبدية» لإسرائيل.

وأكّدت الأوساط نفسها بأنّ إدارة بايدن لم تتراجع بعد عن أي من القرارات المصيرية التي اتخذتها إدارة ترامب بشأن القضية الفلسطينية، وإن تحدّثت عن حلّ الدولتين الذي يُناقض «صفقة القرن» التي ترتكز على شروط مجحفة بحقّ الفلسطينيين. ولهذا فالمطلوب اليوم المساعدة على أن تستعيد فلسطين أراضيها المحتلّة، لا أن يستمر العدو الإسرائيلي بعمليات الإستيطان وضمّ مناطق واسعة من الضفّة الغربية وغور الأردن، والتي وصلت الى نحو 60 في المئة من الضفّة. غير أنّ إدارة بايدن لن تُلغي ذلك، أي أنّها لن تُلغي ما توصّلت اليه صفقة ترامب. كذلك الأمر فيما يتعلّق بموضوع التطبيع العربي مع العدو الإسرائيلي، فإنّ إدارة بايدن، ستمضي بحسب المعلومات، في التشجيع على المزيد من علاقات التطبيع مع العدو الإسرائيلي، وإن بأسلوب أكثر هدوءاً وروية وتوازن. ولكن هذا كلّه لا يعني بأنّها سوف تُسقط «صفقة القرن»، وإن عادت الى الرؤية الأميركية السابقة لحلّ الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي الذي بقي لعقود من دون أي تطبيق فعلي على الأرض.

وتجد بأنّ بعض الفلسطينيين يعوّلون اليوم على المساعدات التي سوف تعمل إدارة ترامب على إعادة صرف الأموال لها والتي كان جمّدها ترامب، لا سيما مساعدات «الأونروا» ودعم المدارس في القدس، خصوصاً وأنّها أثّرت سلباً على وضعهم المعيشي والإقتصادي، وإن كان يضع شروطاً عدّة لها أبرزها العودة اللامشروطة الى طاولة مفاوضات السلام مع العدو الإسرائيلي. وتُقول القيادة الفلسطينية، في الوقت نفسه، بأنّها جاهزة للعودة الى طاولة المفاوضات كونها تتمسّك بعملية السلام ولكن من دون أي شروط مسبقة، ما يعني على ألّا تنطلق من «صفقة القرن» أو ترتكز عليها، ما دام هناك نيّة لدى إدارة بايدن بالعودة الى حلّ الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية جنباً الى جنب. غير أنّ هذا الأمر، وإن وافقت عليه الولايات المتحدة كانطلاقة لاستئناف المفاوضات، إلّا أنّ إسرائيل سترفضه من دون أدنى شكّ.

رغم ذلك، فإنّ الأشهر الأولى من إدارة بايدن ستُظهر مسار سياستها الداخلية والخارجية لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، ويُمكن عندها اتخاذ الموقف النهائي منها، وإن كانت التجارب الماضية مع الإدارات الأميركية السابقة تؤكّد الإنحياز الأميركي الفاضح للعدو الإسرائيلي على حساب كلّ دول المنطقة.