الرهان تحوّل من وصول بايدن الى البيت الأبيض الى انتظار التسوية الإقليمية والانتخابات الرئاسية السورية

لم نعد ندري ما إذا كانت المشكلة التي تُعيق تشكيل الحكومة هي داخلية أم خارجية. فبعد أن راهن البعض في الداخل على الإنتخابات الرئاسية الأميركية لوصول جو بايدن الى البيت الأبيض، وعلى إعادة تحريك المبادرة الفرنسية من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لولادة الحكومة، تبيّن أنّ لا هذه ولا تلك تمكّنت حتى الآن من كسر الجمود القائم، ومن استعادة الثقة المفقودة بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري. فكلمة السرّ المنتظرة من الخارج قد وصلت من ماكرون لإعادة إحياء المبادرة الفرنسية، ولم تتحرّك الإرادة الوطنية المطلوبة لتشكيل الحكومة العتيدة، فما الذي ينتظره المسؤولون السياسيون حتى الآن لكي يتحرّكوا ويُشكّلوا حكومة فعلية تعمل على إنقاذ البلد قبل الإنهيار التام لا سيما بعد أن وصل الدولار الأميركي الى 9 آلاف ليرة لبنانية ويُواصل الإنهيار المالي والإقتصادي والمعيشي تفاقمه يوميّاً؟!

ترى مصادر سياسية مطّلعة أنّ كلّ شيء ينهار في لبنان، من الوضع الصحّي والإستشفائي، الى المالي والنقدي والمعيشي والإجتماعي، يبقى فقط الأمن مستتبّاً حتى الآن بفضل جهود الجيش اللبناني والقوى الأمنية التي تُمسك بزمام الأمور. ولكن هناك من يُحاول العبث بالأمن، فالمحاولات التي جرت في طرابلس منذ نحو أسبوعين سعت لضرب هذا الأمن عن طريق الإحتجاجات وحرق مبنى البلدية بواسطة قنابل «المولوتوف» وأعمال الشغب التي رافقتها، فضلاً عن الإغتيال الذي استهدف أخيراً الناشط السياسي لقمان سليم في نيحا الجنوبية. وهنا تكمن الخطورة الكبرى في جرّ البلد الى التضعضع الأمني، وكأنّه لا يكفيه كلّ ما يُعاني منه من أزمات متراكمة.

وتقول انّه حتى مع مجيء الضوء الأخضر من الخارج، ما جعل الرئيس المكلّف يتحرّك فوراً في زيارات خارجية داعمة له، لا يبدو أنّ تشكيل الحكومة سيكون قريباً، بحسب المعطيات سيما أنّ البعض بدأ يُراهن منذ الآن على التسوية الدولية الإقليمية الأميركية - الإيرانية، وإن كانت ستتأخّر، وعلى الإنتخابات الرئاسية السورية المقبلة التي لا بدّ وأن تكون لها تداعياتها على الساحة اللبنانية. كذلك فإنّ النيات الداخلية ليست صافية بما فيه الكفاية لتخطّي الأوضاع الخارجية والتوافق على تشكيل الحكومة.

ولكن في حال تمكّنت دول الخارج من الضغط من أجل تأليف الحكومة سريعاً، على ما لفتت المصادر ذاتها، من دون حصول مصالحة فعلية بين عون والحريري لاستعادة الثقة بينهما، فإنّ أي حكومة ستُشكّل لن تكون منتجة وفاعلة. فالأمر يتطلّب أولاً مصالحة بين الرجلين، ومن ثمّ الذهاب الى تشكيل حكومة سياسية تحمي القوى السياسية قراراتها، كون حكومة الإختصاصيين الصرف لن تكون قادرة على إنقاذ البلاد، وإلاّ فسنكون أمام نسخة ثانية من حكومة الرئيس حسّان دياب التي أسقطتها المناكفات السياسية.

وفي ما يتعلّق بالمصالحة بين عون والحريري، يجب أن تشمل رئيس «التيّار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل، على ما أكّدت، خصوصاً وأنّه ستكون له حصّة مسيحيّة وازنة في الحكومة المقبلة، إذ لا يُمكن أن تعمل الحكومة بكلّ فاعلية وإنتاجية من دون حصول التوافق بين التيّارين البرتقالي والأزرق. علماً بأنّ الثقة باتت مفقودة اليوم من جميع الأفرقاء بأي من هذين التيّارين سيما أنّهما قد تقلّبا كثيراً في مواقفهما، ووصلا الى حدّ قطع التسوية الرئاسية التي لم يكن يجب فرطها بل التمسّك بها والإبقاء عليها حتى نهاية عهد الرئيس عون.

أمّا الثمن فيدفعه اليوم الشعب اللبناني الذي يجد أنّ المبادرات مفتوحة أمام المسؤولين اللبنانيين فيما لا يعملون على الإستفادة منها، خصوصاً المبادرة الفرنسية والمبادرة العربية، لأنّ كلّ فريق يودّ التمسّك بما يسمّيه حقوقه ومكتسباته وحصّته، وإن على حساب انهيار الوطن. ولهذا فإنّ التنازل لا يزال مطلوباً من الفريقين (عون والحريري) مع أو بدون التدخّلات والمبادرات الخارجية. وتقول انّ رهان دول الخارج على نزول الشعب مُجدّداً الى الشارع فلم يعد قائماً، بحسب المعلومات، لأنّ التجربة أظهرت أنّ لكلّ طائفة شارعها أو أكثر، وأي شارع محرّك من غريزته الطائفية أو الحزبية لا يُمكن الإعتماد عليه لإحداث التغيير في النظام، على ما هو مطلوب. فيما تتمّ المطالبة بانتخابات نيابية مُبكرة غير أنّ أحداً لا يضمن أن تتمكّن هذه الأخيرة من تغيير الممثّلين الفعليين للشعب في مجلس النوّاب.

فحَراك 17 تشرين أثبت فشله في تغيير الأمور، على ما أكّدت المصادر، كون الأحزاب دخلت على الخطّ وسيطرت على الإنتفاضة الشعبية الفعلية على الفساد وسياسة التفقير والتجويع، ما أدّى الى وقوف السلطة الحاكمة في وجهها وليس العكس. ولهذا فإنّ هذه الوسيلة لن تستخدمها دول الخارج مُجدّداً سوى لإثارة المزيد من الفوضى والبلبلة في الشارع ليس أكثر. وهذا الوضع يجعل الجميع خاسراً في الداخل، بمن فيهم الشعب ولهذا المطلوب عقد المصالحة الفعلية في حال كانت النيات تهدف الى تشكيل حكومة فاعلة قادرة على الإنقاذ وعلى استعادة الثقة والدعم الخارجي للبنان.

كذلك فإنّ التوافق الداخلي ضروري، على ما ذكرت، من أجل إعادة إعمار مرفأ بيروت الذي فَقَد الكثير من استراتيجيته في المنطقة بعد انفجار 4 آب لمصلحة مرفأ حيفا. فقد أبدت دولاً عديدة استعدادها للمساهمة في إعادة إعماره، وأرسلت المساعدات الإنسانية للمنكوبين، فيما لا إجابات واضحة من المسؤولين عن التلكؤ في إعادة المرفأ الى ما كان عليه