هل يستفيد الشعب من "الفرصة السانحة" فيُعيد تجديد "انتفاضة 17 تشرين" توصّلاً لحلّ جميع أزماته؟!

أعادت نتائج الزيارات الخارجية للرئيس المكلّف سعد الحريري، وكلمته في الذكرى الـ 16 لاغتيال والده رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، مسار تأليف الحكومة الى نقطة الصفر. فقد جدّد الحريري تأكيده على التمسّك بشروطه "المفروضة من الخارج"، وإن ترك الباب مفتوحاً لاستكمال التشاور، في ظلّ بقاء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على موقفه الرافض لمسودة الحكومة التي عرضها عليه الحريري، فكيف سيكون الحلّ إذاً، ومن أين سيأتي؟

تقول مصادر سياسية عليمة انّ سياسة الرئيس المكلّف بالإصرار على حكومة من 18 وزيراً من الإختصاصيين غير الحزبيين، ورفض حصول الفريق الرئاسي على 7 وزراء (أي على الثلث المعطّل الذي هو من حقّه، ولا يُعطى له من حصّة أحد) ونقطة عالسطر، تدع إمكانية استكمال التشاور مع الرئيس عون غير واردة، لا بل تجعل النقاش عقيماً بين الطرفين، وإن كان الحريري تحدّث عن ضرورة تشكيل الحكومة من أجل حصول لبنان على مساعدات ودعم المجتمع الدولي، وعن أنّها ستتشكّل، من دون أن يُحدّد كيف ومتى. فما يصرّ عليه الحريري أي 18 وزيراً "لا أكثر ولا أقلّ"، فمن أجل وضع يده على 4 وزراء مسيحيين من أصل 9 وزراء، من دون اعتماد وحدة المعايير، ومن أجل إلغاء حقيبة الطرف الدرزي الآخر كون رئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط يضغط من أجل ذلك. فيما يُطالب الفريق الرئاسي بتطبيق الميثاقية والدستور، وعدم رمي المسؤوليات جِزافاً من خلال استخدام منطق مختلف مع كلّ فريق سياسي.

وفي ظلّ بقاء الأمور تُراوح مكانها، إذ لا يبدو أنّ أياً من الفريقين سيخطو خطوة نحو الفريق الآخر، على ما لفتت المصادر، فإنّه لن يكون باستطاعة لبنان التعاطي مع أي دولة خارجية لكي تمدّ له يد العون والمساعدة، من دون القيام بإصلاحات جديّة، وتدقيق جنائي واضح، علماً بأنّ هذا الأخير تتمّ عرقلته لعدم كشف السارقين الذين بغالبيتهم من الطبقة الحاكمة. ومن أجل تحقيق هذه الإصلاحات يحتاج لبنان أولاً الى حكومة إنقاذية فاعلة، إذ قد لا تتمكّن أي حكومة جديدة من القيام بعملية الإصلاحات المطلوبة في حال لم تعمل وفق البرنامج الإصلاحي الشامل.

ومن هنا، يحتاج لبنان الى ضمانات داخلية وخارجية، على ما شدّدت المصادر، لنجاح تأليف حكومة إصلاح فعلي كشرط أساسي لحصوله على الدعم الإقليمي والدولي. ومن ضمن هذه الضمانات، المبادرة الفرنسية التي لا تزال على الطاولة، ولكن يبدو أن هناك من يُعرقل تنفيذها لاعتبارات عدّة، وإن كانت محكومة في نهاية الأمر بالنجاح كونها الأكثر جديّة حتى الآن.

غير أنّ المصادر نفسها أكّدت ان عوامل نجاح المبادرة الفرنسية لم تتبلور بعد كونها لم تستكمل شروطها كافة. والأسباب كثيرة، أوّلها عدم حصولها على الدعم الكافي من قبل بعض الدول الكبرى كون هذه الأخيرة لا تريد أن يكون لفرنسا أي دور بارز ومستقبلي في لبنان والمنطقة، وثانيها، لأنّ البعض الآخر لا يريد أن يتمّ التوصّل الى أي حلّ في لبنان، وثالثها لأنّ ثمّة من يريد تفصيل المبادرة الفرنسية بما يخدم مصالحه في لبنان، وليس مصالح اللبنانيين.

وحتى يملك الفرنسي كلّ الدعم الإقليمي والدولي لمبادرته ولإمكانية تطبيقها في الداخل اللبناني، فإنّ الرئيس الفرنسي يتحضّر للقيام بزيارة الى كلّ من السعودية والإمارات، لتسهيل تشكيل الحكومة وإيجاد الحلول للأزمات القائمة، من خلال التوصّل الى إعطائهماالحريري الضوء الأخضر للتشكيل مع رفع "الفيتو" عن تمثيل "حزب الله" فيها. ولفتت الى أنّ هذه الزيارة قد لن تحصل إذا لم تُمهّد لنتائج ناجحة، توصل ماكرون بعدها الى لبنان في زيارة ثالثة لمواكبة ولادة الحكومة، أو للتهنئة بولادتها.

وتتساءل المصادر نفسها إذا ما كان الشعب اللبناني الغاضب والمُعاني سينتظر بعد، وسيُعطي المسؤولين المزيد من الوقت الضائع الذي تتزايد فيه الأزمات المالية والنقدية والإقتصادية والمعيشية والإجتماعية تفاقماً، أم سيأخذ زمام الأمور بنفسه للخروج من هذا النفق من خلال تجديد انتفاضة 17 تشرين؟ ويكون هذا التجديد من خلال القيام بتحرّك شعبي ضاغط، ومحصّن من كلّ الأحزاب التي عملت في فترات سابقة على استغلاله لمصالحها الشخصية. وأشارت الى أنّه إذا تدخّلت الأحزاب بهذا الحَراك مرّة جديدة، بهدف حَرفه عن مطالبه المشروعة لحسابات أجندات خارجية، فإنّه سيسقط حتماً، لهذا على الشعب التنبّه الى هذا الأمر ليتمكّن من إحداث التغيير المطلوب وبالتالي التوصّل الى حلّ جذري لأزماته.

أمّا مطالب الشعب فمعروفة، على ما أوضحت المصادر، أبرزها السير بقانون التحقيق الجنائي بهدف محاربة الفساد والفاسدين وإعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة السارقين.. وذلك من أجل التوصّل في نهاية الأمر الى بناء دولة القانون التي لا تسودها المحسوبيات والإعتبارات الطائفية والمذهبية والمصالح الحزبية والفردية، ولا تُنفّذ بالتالي مطالب دول الخارج على أرضها بل مطالب شعبها. ولكن لنجاح الإنتفاضة المتجدّدة، على الشعب أن يكون موحّداً تحت راية العلم اللبناني وليس أي علم آخر.

وتجد المصادر أنّ الفرصة سانحة اليوم للجميع، فإذا لم يستفد منها المسؤولون الذين يبدون عجزهم عن تحمّل مسؤولياتهم، فإنّ الشعب سوف يستغلّها، شرط التحرّر من الضغط الطائفي الذي يُكبّله، ما يُفسح في المجال أمام ولادة قيادات جديدة من خلال الإنتخابات النيابية المقبلة. فالشباب الثائر أخذ وعداً من الرئيس ماكرون بأنّه سيقف الى جانبه في حال تحرّك لتغيير الواقع، واستخدم صوته في صناديق الإقتراع لمحاسبة المسؤولين، وعليه اليوم أن يُثبت له أنّه على قدر الثقة التي وضعها فيه.

من هنا، فإنّ تجدّد الإنتفاضة، والاستفادة من دعم فرنسا من دون السعي لتنفيذ أجندات مشبوهة لدول الخارج، من الممكن أن يكون الحلّ في المرحلة المقبلة، في حال أصرّ المسؤولون على عدم الإستفادة من الفرصة المتاحةأمامهم ومرّروا الوقت هباءً، على ما فعلوا حتى الساعة.