البنزين يرتفع 8200 ليرة في ثلاثة أشهر وسط أزمة غير مسبوقة!

عادت أزمة المحروقات إلى الواجهة في لبنان فلم يبدأ ترشيد الدعم بعد وارتفع سعر صفيحة البنزين ليلامس 32 الف ليرة والحبل على الجرار. فسجّلت أسعار المحروقات ارتفاعاً كبيراً يوم الأربعاء 17 شباط 2021، بزيادة 1700 ليرة على صفيحة البنزين 98 أوكتان، و1600 ليرة على صفيحة البنزين 95 أوكتان، و800 ليرة على صفيحة المازوت فيما استقر سعر قارورة الغاز.

وهكذا أصبح سعر صفيحة البنزين 98 أوكتان 32200 ليرة، مسجّلة ارتفاعاً متواصلاً منذ منتصف شهر تشرين الثاني، بقيمة 8200 ليرة. كما بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان 31200 ليرة، والمازوت 21400 ليرة، والغاز 24400 ليرة. وتعزو وزارة الطاقة الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات إلى ارتفاع سعر برميل النفط عالمياً وبلوغه 63.5 دولاراً.

في سياق متصل تستمر أسعار المحروقات في لبنان بالارتفاع بشكل متواصل منذ 14 أسبوعاً فقد سجّل سعر صفيحة البنزين على وجه التحديد من تاريخ 11 تشرين الثاني 2020 وحتى اليوم ارتفاعاً تراكمياً بلغ 8200 ليرة في ثلاثة أشهر وسط أزمة غير مسبوقة! أي أن صفيحة البنزين ارتفعت بنسبة 25 في المئة منذ تشرين الثاني حتى اليوم، ومن المتوقع أن تستمر بالارتفاع إلى مستويات مُقلقة في المرحلة المقبلة!

والغريب أن كل المستفيدين من ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان يصورون الأمر على انه أكثر من طبيعي، معتبرين أن تسعير المحروقات في لبنان يتم بالتوازي مع أسعار النفط عالمياً، ولكن ثمة أرقام لمسار تطور أسعار النفط في العالم من جهة وتطور مسار أسعار المحروقات في لبنان من جهة أخرى، تؤكد عدم ارتباط رفع أسعار المحروقات بأسعار النفط، سوى في خيال المروّجين. وتُثبت أيضاً أن رفع أسعار المحروقات محلياً لا يخضع لأي آلية علمية. بل يتم اعتباطياً بالتواطؤ بين تجار المحروقات بكافة فئاتهم وبين وزارة الطاقة. وهنا لا بد من التساؤل لماذا عمدت وزارة الطاقة على مدار سنوات على إخفاء آلية تحديدها جدول تركيب أسعار المحروقات، لماذا تمتنع عن نشره كلما دعت الحاجة؟!

وفي مقارنة بسيطة بين تطور أسعار البنزين على سبيل المثال محلياً والنفط عالمياً يتبيّن وبوضوح السرقة الواضحة لجيوب المواطنين، فمنذ تاريخ 11 تشرين الثاني وحتى اليوم ارتفع سعر صفيحة البنزين من 24 ألف ليرة إلى 23 ألفاً و200 ليرة. أي بارتفاع بلغ 8200 ليرة تحديداً، في المقابل ارتفع سعر برميل النفط عالمياً من التاريخ نفسه وحتى اليوم، من نحو 47 دولار إلى 63.5 دولاراً حالياً، وبذلك قد تُبرّر زيادة سعر البنزين بارتفاع سعر النفط، علماً أن الإرتفاع المحلي غير متناسب مع الارتفاع العالمي.

لكن الأمر المُستهجن هو ما قبل تاريخ 11 تشرين الثاني حين سلك سعر برميل النفط مساراً نزولياً على مدى أشهر، ولم تظهر انعكاساته على أسعار المحروقات في لبنان، خصوصاً على البنزين. فقد تراجع سعر برميل النفط عالمياً منذ شهر آب الفائت من 45 دولاراً بشكل متواصل تدريجي إلى 37 دولاراً في شهر تشرين الأول، إلا أن أسعار المحروقات في لبنان لم تشهد أي انخفاض في تلك الفترة بما يتناسب وانخفاض النفط. بل على العكس تطوّر سعر صفيحة البنزين من شهر آب (حين كان النفط بـ45 دولاراً) من 24400 ليرة إلى قرابة 26 ألف ليرة في شهر تشرين الأول (حين أصبح النفط في محيط 37 دولاراً) بمعنى أن البنزين ارتفع محلياً بالمقارنة مع تراجع سعر النفط عالمياً.

طبعاً، لدى المعنيين بالشأن النفطي الكثير من التبريرات والتفسيرات لتلك الأرقام، ودائماً ما يدّعون أن عمليات استيراد المحروقات تتم بشكل دوري كل شهرين. وهو ما يجعل من تغيير سعر النفط بشكل يومي غير ذات تأثير مباشر على أسعار المحروقات. وهنا لا بد من السؤال عن تبرير وضع جدول لتركيب الأسعار بشكل أسبوعي، طالما ان الاستيراد يتم كل شهرين؟

هذا في ما يتعلّق بالنفاق والخزعبلات في ملف النفط. أما في ما يتعلّق بارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء في لبنان وتأثيره على أسعار المحروقات، فإن مصرف لبنان لا يزال يدعم استيراد المحروقات بنسبة 85 في المئة على سعر صرف 1515 ليرة. أما نسبة الـ15 في المئة المتبقية، والتي تؤمنها شركات الاستيراد من السوق السوداء، فإنها تستعيدها من دون وجه حق من محطات المحروقات، الذين تبلغ قيمة جعالتهم عن كل صفيحة بنزين 1900 ليرة، وعن صفيحة المازوت 700 ليرة. وتُلزمهم الشركات بسداد جزء من طلبيات المحروقات بالدولار الأميركي.

وفي هذا الإطار يؤكد لنا المصدر الخاص أنّه حتى اللحظة لا توجد صيغة واضحة ومتفق عليها حول ترشيد الدعم عن المحروقات، إذ ناقشت الحكومة والجهات المعنية إمكانية خفض الدعم من 85 في المائة إلى 70 في المائة على المحروقات، ولكن من دون التطرّق إلى ما إذا كانت الـ30 في المائة المتبقية التي سيصبح تأمين دولارها على عاتق المستورد، ستكون على أساس سعر صرف السوق السوداء أو سعر منصة مصرف لبنان أي 3900 ليرة.

ويشير لنا إلى أنّ هذا الارتفاع هو بمثابة تمهيد مقصود يسبق الإعلان عن ترشيد الدعم وبالتالي ستستمر الاسعار في الارتفاع خلال الأسابيع المقبلة بشكل تدريجي وذلك حتى لا يشعر المواطن بارتفاع مفاجئ لأسعار المحروقات عند ترشيد الدعم، إذ من المتوقّع أن يتجاوز سعر صفيحة البنزين ال50 ألف ليرة عند إقرار الترشيد، مضيفاً أنّ هذا الارتفاع سيكون كمرحلة أولى لأن خطة الترشيد تأتي على مراحل يتمّ في كل منها خفض نسبة من الدعم على المحروقات فيرتفع سعرها. كما ويؤكد لنا أنّ ترشيد الدعم سيستثني مادة المازوت على الأرجح، وأنّه سيرفع بطبيعة الحال أسعار بقية المحروقات.

نعم من غير المستبعد أن يصل سعر صفيحة البنزين في لبنان إلى 50 ألف ليرة وربما أكثر من ذلك، لأن تسعير المحروقات يستند إلى عوامل أساسية هما سعر النفط العالمي وجشع المستوردين وفساد وزارة الطاقة، ومن غير المتوقع أن تزول أي من تلك العوامل في المدى المنظور!

فأسبوعيًّا يرتفع النفط ويومياً تتغير اسعاد المواد الاولية والغذائية وسط قرارات للوزارة تبقى حبراً على الورق ولا تنفذ.. ليبقى السؤال الى متى ستستمر قدرة المواطن على التحمل؟ والى اين سيؤول بنا هذا الوضع الكارثي على مختلف الاصعدة؟!