أيـــن الــعدالــة الإجتماعيّة من لــقاحات «كــورونــا» المحــــدودة الكمــيّــة في لـبـنــان؟

«أسلوب أنا أوّلا» في توزيع اللقاحات جعل الأكثر فقرًا وضعفًا في العالم في خطر، كلامٌ حذّر به تيدروس أدهانوم جيبريسوس، المدير العام لمنظّمة الصّحة العالميّة في إفتتاح الإجتماع السنوي للمجلس التنفيذي للمنظمة الشهر الفائت، من إنعدام المساواة والتوزيع العادل للّقاح بين البلدان المرتفعة الدخل، وتلك الفقيرة. لكن، ماذا عن العدالة في توزيع اللقاحات ضمن البلد الواحد؟

مع إنتشار نظرّيات المؤامرة حول لقاح كورونا مثل ضلوع بيل غايتس في مخطّط لتقليص عدد سكّان الأرض أو السعي للسّيطرة على الجنس البشريّ عبر زرع رقاقات إلكترونيّة وغيرها، سارع بعض رؤساء الدّول لأخذ اللقاح أمام عدسات الكاميرا كمبادرة تشجيع وتأكيد على سلامة اللقاح وضرورة تلقّيه، خاصّة مع ظهور سلالات جديدة للفايروس. لكن في ظلّ تسابق الدّول للحصول على اللقاح نظرا لمحدوديّة الكميّات المتوفّرة، إرتفعت الأصوات المعترضة على إستعراضات المسؤولين الذين ركبوا الموجة مستغلّين مناصبهم لتأمين جرعات لأنفسهم ولأفراد عائلتهم، خاصّة أنّ البعض منهم لا ينتمي إلى الفئات ذات الأولويّة في التطعيم، بينما «عامّة الشعب» ينتظرون أن يحين دورهم فيما نشاطاتهم الحياتيّة متوقّفة إلى أجلٍ غير مسمّى. مثالٌ على ذلك: كامالا هاريس، نائبة رئيس الولايات المتّحدة، وزوجها دوغ إمهوف، ومايك بنس، نائب الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب، وزوجته كارن بنس، ومحافظ ولاية كنتاكي الأميركيّة آندي بيشير وزوجته بريتني بيشير ووالديه، كلٌّ حصل على حصّته من اللقاح، الأمر الذي أثار حفيظة الأميركيين الرّافضين مبدأ الإستنسابيّة في توزيع الحصص المحدودة، خاصّة أن أفراد عائلات أصحاب الأولويّة في التطعيم، كالعاملين في القطاع الصّحي وكبار السنّ، لا يحصلون على اللقاح أسوة بأفراد عائلات أصحاب المناصب.

أمّا في لبنان، فقد أعلن وزير الصّحة في حكومة تصريف الأعمال، الدكتور حمد حسن، أنّ «أول لقاح سيُعطى للرؤساء الثلاثة لأسباب معنويّة، وأسوة بقادة العالم». لكن مبدأ إعطاء الجرعات الأولى لقادة العالم يأتي من بابَين : الأوّل لتشجيع المواطنين على التقدّم لأخذ اللقاح، الأمر الذي لم يحصل في لبنان، بل إنّ من قام بهذه المبادرة كان الممّثل القدير صلاح تيزاني، أو «أبو سليم»، البالغ من العمر 93 عاما، وللأمانة كان خيارًا موفّقًا، لأنّه يحصد إجماع اللبنانيّين بمختلف أطيافهم، بعكس أيّ سياسيٍّ لبنانيّ ممكن إختياره لهذه المهمّة. أمّا المبدأ الثاني لإعطاء الجرعات الأولى للرؤساء «أسوةً بقادة العالم»، فهو لضمان إستمراريّة عمل القادة بإدارة مفاصل الدّولة وتسيير شؤون المواطنين، لكن نحن في لبنان، نعاني ومنذ زمنٍ بعيد، إقتصاديّا ومصرفيّا وحياتيّا ومعيشيّا وأمنيّا وقضائيّا وسياسيّا وصحيّا وإجتماعيّا وبيئيّا وغذائيّا ومهنيّا وتعليميّا، أضف إلى ذلك تبعات إنفجار هو الثالث في العالم من حيث حجمه وضرره، دمّر عاصمة بأكملها، وقتل وشرّد، وسببه إهمالٌ وظيفيّ لم نستطع حتّى السّاعة، وبعد مرور أكثر من ستّة أشهرٍ على الإنفجار المجزرة، أن نحاسب شخص واحد من مرتكبي هذه الجريمة، بل لسخرية القدر، من تمّت محاسبته هو القاضي نفسه الناظر في القضيّة. فعن أيّة إستمراريّة وعن أيّة أسباب معنويّة تتحدّثون يا دكتور حسن؟ ولماذا تضعوننا بموقف «تربيحنا جميلة من كيسنا» عند رفض أيّ من هؤلاء الرؤساء لهذه الأولويّة؟

للتعليق على الموضوع، تواصلت الدّيار مع النائب السابق الدكتور إسماعيل سكريّة، فأتى ردّه غير مؤيّدٍ لقرار إعطاء اللقاح أوّلا للرؤساء الثلاثة «لأسباب معنويّة»، قائلا إنّ الشأن الصّحي يجب أن يكون إنسانيًّا بالعمق، فالصّحة والإنسان لا يميّزان بين رئيس أو غير رئيس، وبالعكس، يقترح الدكتور سكريّة البدء بتلقيح الفقير لأنّه الأكثر عرضة للمرض في سعيه اليوميّ لتأمين لقمة عيشه، على عكس أصحاب الإمتيازات المعنويّة القادرين على تطبيق شروط التباعد الإجتماعيّ ولديهم من يهتم بأدقّ تفاصيلهم من مأكل ومشرب ورعاية صحيّة.

أمّا فيما يخصّ عدالة توزيع اللقاح بشكلٍ عام في لبنان، فيقول الدكتور سكريّة إنّ بعض الخروقات قد حصلت «على الطريقة اللّبنانيّة» لناحية التّدرج الذي وضعته وزارة الصّحة واللجان المختصّة بالبدء بالهيئات الصحيّة التي تشكّل خطّ الدّفاع الأوّل ضدّ الفايروس، بالإضافة إلى كبار السنّ، إلا أنّه لا يزال من المبكر تقييم حملة اللقاح القائمة مقارنة بحجم هذه الخروقات. لكن يلفت الدكتور سكريّة إلى أنّه بمجرّد العودة إلى تجاربنا في العقود الماضية فيما يخصّ أداء السياسات والخدمات الصحيّة في لبنان، نجد أنّه يتخلّلها الكثير من «الواسطة والتدخّلات والنّفوذ والإستغلال الإنتخابي والسياسي والمالي»، إذًا وقوع بعض التجاوزات والعثرات والتّشوهات في الأداء متوقّعة من حيث تطبيق العدالة الإجتماعيّة. ويلوم هنا الدكتور سكريّة كلّ من تسلّم موقع مسؤوليّة وقبل أن ينصاع وأن يكون «شاهد زور» صامت عن كلّ السّياسات الصحيّة الفاسدة التي أوصلتنا إلى ضعف قطاعنا الصحيّ اليوم في مواجهة وباء كورونا.

وبالحديث عن موضوع الخروقات و«الواسطة»، نلفت هنا إلى أنّ مدير مركز الإرتكاز الإعلامي، الصحافي والمحلّل السياسي سالم زهران، إنتقد كذلك الإستنسابيّة في توزيع اللقاح، معلّقا على صورة تلقّي أحد الموظّفين جرعة قبل غيره، مغرّدا: «المشهد معيب ويدعو للخجل وليس لتصدر صفحات المواقع الالكترونية والصحف ونضعه برسم وزير الصحة د.حمد حسن، فهل بدأت «الواسطات» في تلقي اللقاح من اليوم الأول؟! اللقاح في المرحلة الأولى لكبار السن والطاقم الطبي وليس لمسؤول الأمن الشخصي لرئيس الجامعة الأميركية فضلو خوري!!»

فجاء الردّ من مكتب الإعلام في المركز الطبيّ في الجامعة الأميركيّة في بيروت موضحا في بيان أنّ «الفريق المتابع لعمليّة التلقيح اصطدم ببعض العراقيل التقنية والتكنولوجية، حيث توقفت المنصة الرسمية. وواجهت أعطالا تقنية فيما كانت العقاقير جاهزة للتلقيح. فما كان من المعنيين إلا أن قاموا بالتواصل مع أشخاص مسجلين في المنصة، ولهم الأولوية في تلقي اللقاح ضمن كامل الاحترام للإجراءات الموضوعة من قبل المعنيين».

أمّا فيما يخصّ جهوزيّة اللبنانييّن لأخذ اللقاح لناحية الدّعايات المنتشرة من مؤامرةٍ وغيرها، يقول الدكتور سكريّة إنّ هناك «إرباكٌ وحذر» بين اللّبنانيّين، بل حتى في الأوساط الطبيّة نفسها، حول اللقاحات الأميركيّة المنشأ، تحديدا «بفايزر» و«موديرنا»، لناحية عدم قدرتها على توضيح التّساؤلات المتعلّقة بتركيبتها الجينيّة، لكن يشدّد الدكتور سكريّة على ضرورة التلقيح، لأنّ «التلقيح خير من لا تلقيح»، مع إعطاء حقّ الخيار للمواطنين بحسب قناعاتهم، إنّما رافضا كلّ نظريّات المؤامرة بشكلٍ قاطع، معللا إطلاقها لأغراض مشبوهة. في الختام يتوقّع الدكتور سكريّة أنّ أغلبيّة اللّبنانيين سيأخذون اللقاح، إنّما عددٌ كبيرٌ منهم بإنتظار اللقاحين الروسي أو الصّيني، بسبب «تقليديّة تركيبتهما».

مع إتمام حملة التلقيح الوطنيّة أسبوعها الأوّل، لا يسعنا سوى أن نتمنّى لها النّجاح، آملين ألا تلطَّخ هذه المهمّة الإنسانيّة البحتة بممارسات المحسوبيّات والفساد التي أسفا أصبحت واقعا يوميًّا في لبنان. وسيكون لنا متابعة حثيثة لعمليّة سير هذه الحملة في مقالات قادمة. يتبع.

عاقل يفهم