واقع العاملين في القطاع الطبي في لبنان يُنذر بالأسوأ

قيل الكثير في الحرب على كورونا، مدح الطاقم الطبي، وصفق له كل لبنان في بداية حربه الضروس، ارسلنا مقاتلين من منازلنا إلى معركة ندرك خطورتها بشكل كبير، ولكننا لم نختر الاستسلام.

مقاتلونا، هم أبناء هذا الوطن، إخوة وأخوات، أزواج اباء وأمهات، أصدقاء وصديقات.. تخلينا عن جزء من حبنا لهم فداء لواجب إنساني ووطني. هم ضحايا قدرات محدودة بسبب الفساد، هم ضحايا وباء عجزت الدول الكبرى عن فهمه بشكل كامل، هم ضحايانا في كل مرة نستهتر ولا نلتزم الإجراءات الوقائية.

أخر الإحصاءات منذ 20 يوماً تظهر أنه قد ذهب ضحية الفيروس 18 طبيباً، وهناك حوالي 25 طبيباً في العناية الفائقة، وما لا يقل عن 400 طبيب في حالة الحجر.فهل فكرنا يوماً ما كيف يبدو نهار عادي بالنسبة لنا، كيف يبدو في حياة محارب بالبزة البيضاء؟

قد يكون من غير المنصف أن نتناول هكذا مهمة إنسانية في بضعة أسطر، ولكن سوف نحاول قدر الإمكان نقل الصورة بشكل متجرد من العواطف لكي نرى بوضوح معاناة هؤلاء المخفية، علنا نقدر هكذا جهود ونلتزم، اقله خجلاً أمامهم!

72 ساعة عمل أسبوعياً مقابل 130 دولارا شهرياً!

للغاية كان لابد من التواصل مع أحد هؤلاء المحاربين، حيث قامت «الديار» بالإتصال بأحد الممرضين في أحدى مستشفيات بيروت الحكومية الكبرى، الممرض وليد خ. الذي رفض الكشف عن كامل إسمه إحتراماً للصرح الذي يعمل به وحفاظاً على مهنيته.

يسرد السيد خ. أحداث نهاره قائلاً: «استيقظ يومياً الساعة الخامسة صباحاً للذهاب إلى عملي، وعند الوصول إلى المستشفى ارتدي الزي الكامل بدءًا من القفازات مروراً بالبزة البيضاء، وصولاً إلى الكمامة».

اما عن أبرز الصعوبات التي تواجه الممرضين، يتحدث السيد خ. عن ساعات العمل الطويلة (12 ساعة يومياً، 6 أيام في الأسبوع) واضطرارهم لإرتداء أدوات الوقاية طول هذه المدة دون الحصول على فترة راحة واحدة، في المقابل لا يحصل الممرض على أكثر من 130 دولارا شهرياً لقاء اتعابه في ظل جائحة أخرى إقتصادية لا تقل شراسة عن كورونا وهي تنهش أجسادنا كما ينهشها خوفنا من هذا المرض.

يرى السيد خ. أن هذا الأمر مستغرب ومجحف بحق من يضحون بحياتهم وبكل ما يملكون، وأنه يستوجب على الدولة النظر في أهمية ايلاء القطاع الصحي الأولوية القصوى، خصوصاً أن هذا الوباء أبرز حاجة لبنان لان يقوم بإعطاء كل ذي حق حقه.

وعند سؤاله عما يقصد بالتضحية تحديداً، يتوقف السيد خ. مستذكراً ابنته حديثة الولادة، وزوجته التي يمضي معظم وقته بعيداً عنهما، كما يستصعب كونه مضطراً أن لا يرى والديه كبار السن، وأن لا يجتمع مع اصدقائه للترفيه عن نفسه.

أكبر مخاوف السيد خ.، كما جميع زملائه، هي أن يكون السبب في نقل عدوى كورونا إلى منزله واحبائه، او أن يتسبب بأذية احدهم، إضافةً إلى خوفه الدائم من الإصابة بالفيروس وان يكون مصيره مشابهاً لمصير الأطباء والممرضين الابطال الذين قضوا في هذه الحرب حارمين احبائهم منهم.

يختم السيد خ. مؤكداً اننا محكومون بالأمل، وهذا الأمل يتجلى لديه باللقاح الذي تلقى الجرعة الأولى منه الأسبوع الفائت، وهو حاليا بإنتظار الجرعة الثانية.يتمنى السيد خ. أن يتمكن جميع المواطنين من التسجيل على المنصة والخضوع للقاح كونه الحل الوحيد الأخير المتبقي لدى أهل الأرض.

قد يكون هذا الحديث للبعض حديثا عاديا، لا بل مملا ومكررا، ولكن هل فكرنا يوماً أن نكون نحن مكانهم ولو ليوم واحد؟ نخرج للتبضع لساعتين أو ثلاث ونستصعب إرتداء الكمامة لكل هذه المدة، فهل باستطاعتنا ارتدائها لـ12 ساعة متواصلة يومياً؟ حُرمنا من قضاء أوقات ممتعة لبضعة أيام بسبب الإقفال العام، فهل باستطاعتنا أن نمضي كافة وقتنا بعيداً عن اهلنا بحكم خطورة عملنا دون أن ندرك متى يمكن أن ينتهي نمط الحياة هذه؟ بالله عليكم، إطرحوا هذه الاسئلة على أنفسكم، وبناءً على الإجابات لكم حرية القرار في الإلتزام من عدمه!