لا يقتصر التخبط والعشوائية في لبنان على الملفات الحكومية والسياسية والمعيشية والاجتماعية والاقتصادية والاستشفائية، بل يتعداها الى القطاع التربوي الذي يعاني من تداعيات واسعة نتيجة غياب خطة تربوية واضحة في زمن كورونا الذي أجبر المدارس على اقفال ابوابها معظم السنة. فالتلامذة في المدارس الرسمية بالكاد تعلّموا، ولا يكفي تأخر انطلاقة العام الدراسي، ومعاناة معظم الاهل الذين يرسلون اولادهم الى «الرسمية» من الضائقة المعيشية المستفحلة اضافةً الى أن معظمهم يعجز عن تأمين مستلزمات التعلم عن بعد من انترنت وكهرباء وأجهزة ذكية او كمبيوترات، حتى تفاجؤوا بإضراب الاساتذة المتعاقدين.  

كذلك فان التلامذة في القطاع الخاص، ليسوا بأفضل حال، اذا ما استثنينا المدارس الكبرى. فبعض المدارس في الأطراف غير مجهزة للتعليم عن بعد وتناضل لعدم خسارة العام الدراسي، في حين تحدث وزير التربية والتعليم العالي في حكومة تصريف الاعمال طارق المجذوب عن احتمال تمديد العام الدراسي. في ظل كل ذلك، ما مصير الامتحانات الرسمية؟ ومن يتحمّل خسارة العام الدراسي؟ 

لا شك ان المطلوب من الدولة إعطاء القطاع التربوي الاهتمام اللازم اليوم قبل الغد وتوفير كل الامكانات لإنقاذ العام الدراسي، والامر لا يقتصر فقط على القضايا المالية مع العلم انها مهمة، وإنما ايضاً الأجواء التي تسمح بالمحافظة على جيل شباب للمستقبل. فالخوف بات كبيرا جداً اليوم على مستقبل الاجيال التي لا تعرف ما ينتظرها في هذا البلد!

وطبعاً، الوقت في المرحلة الراهنة ليس للخلافات السياسية والاتهامات والحرتقات والتأخر في تشكيل حكومة واللعب بصحة الناس وصحة الاطفال والتلامذة وبالتالي، الوطن. فالوجع كبير جداً اليوم خصوصاً اننا لم نعد نرى ملامح رجاء، الرجاء الذي دعا اليه البابا فرنسيس في كلمته حول الميثاق التربوي، حين قال: «التربية عمل رجاء». ولكن كيف يتم العمل على تعزير هذا الرجاء في قلوب التلاميذ والاساتذة والأهل في ظل عدم توافر جواب عن سؤال بسيط عن المستقبل: ماذا عن الغد؟

صحيح ان المدارس الخاصة تبذل المستحيل كي تبقي دورة التعليم عن بعد قائمة ولو وسط صعوباتٍ كبيرة وعديدة، لكن حال الرعب الذي يقبع في ظله التلامذة من خلال وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لا يسمح بالسير بعيداً! فالقضية خطرة جداً، وهي تشمل كل شرائح الوطن، مستقبل لبنان كله على المحك. وبالتالي في ظل هذه الاجواء المشحونة يجب وضع كل «الحرتقات» السياسية جانباً ووضع كل الجهود لانقاذ القطاع التربوي لأن بإنقاذه يكون انقاذ الوطن. آنذاك يمكن التفكير بالامتحانات الرسمية وتخفيف البرنامج الدراسي لمساعدة التلامذة للتحضير لامتحاناتهم ولسنتهم الدراسية المقبلة، والتزود بالقيم والاخلاق. واذا خسر التلامذة السنة الدراسية بسبب الكورونا فليتم تزويدهم على الاقل بالقيم والاخلاق والانتماء الى الوطن والفرح.  

} لرؤية واضحة ترسمها القيادات التربوية }

وفي سياقٍ متَّصل عقد وزير التربية والتعليم العالي الدكتور طارق المجذوب ووزير الصحة العامة الدكتور حمد حسن منذ بضعة ايام اجتماعاً مطولاً لدرس الواقع الصحي، والتحضير للعودة إلى التعلّم المدمج حينما يسمح الوضع الصحي، وذلك استناداً إلى الخطة الوطنية التي صدرت عن اللجنة الوزارية للجنة كورونا. وشدّد الوزير المجذوب على ضرورة تأمين اللقاح للهيئتين الإدارية، والتعليمية، وللتلاميذ، والطلاب، وطلب من وزير الصحة إعادة تقييم الأولويات لجهة إعطاء الأولوية للقطاع التربوي بعد القطاع الصحي. اضافةً  إلى ذلك عقدت اجتماعات مع منظمة الصحة العالمية، والمنظمات الدولية، واللجان التي تتابع الصحة المدرسية في نقابة الأطباء لمناقشة الوضع الصحي، وسبل التعاون.

هذا وكثفت الوحدات الإدارية والتربوية في الوزارة اجتماعاتها لتحضير الخطّة المتعلقة بالعودة التدريجية للتعلّم المدمج، بهدف استكمال العام الدراسي، وإجراء الامتحانات الرسمية ضمن آلية خاصة تراعي الوضع الاستثنائي، وقام المركز التربوي للبحوث والانماء بإعادة درس تقليص المناهج كما كان مقرراً سابقاً.

وبانتظار تحديد وزارة الصحة موعد بدء اللقاح للقطاع التعليمي، مع الأمل بانخفاض الإصابات، وتخفيف الضغط عن القطاع الصحي، تمّ اتخاذ القرار بعدم البدء بالتعلّم المدمج في المرحلة الثانية من الخطة الوطنية لإعادة فتح القطاعات، على أن تعلن وزارة التربية خطتها مع تواريخ العودة إلى التعلم المدمج بعد عقد جلسات مع الشركاء في القطاع التربوي بجناحيه الرسمي والخاص، لوضعهم بالمستجدات والتوصيات الصحية.

فمع وصولنا الى شهر آذار بدأنا نشعر بالخطر على العام الدراسي خاصةً في ظل وباء كورونا والتعليم عن بعد الذي اساساً يعاني من مشاكل، لذلك يجب وضع خطة حول كيفية إنهاء العام الدراسي وتجاوز كل هذه المخاطر وما هي الاساليب للوصول الى نهاية عام دراسي سليمة ان من حيث البرامج او المناهج او الامتحانات. وإجراء امتحانات رسمية، لأن بمرور هذه السنة ايضاً من دون امتحانات رسمية نكون قد قضينا على المستوى التعليمي والشهادة الرسمية و»على الدنيا السلام».

وهذا موضوع يستحق ان تكون له رؤية واضحة ترسمها القيادات التربوية الفاعلة التي تعيش الواقع على الارض بالتعاون مع الادارة التربوية والوزارة، حفاظاً على ما بقي من العام الدراسي وحفاظاً على طلابنا وعلى الشهادة الرسمية التي هي بخطر والمهددة بمصير يشبه مصير الشهادة في العام الماضي كيلا يتم القضاء على كل ما يسمى شهادة رسمية ومستوى تعليمي في لبنان.

} الامتحانات الرسمية شبه مستحيلة ؟!! }

وللوقوف عند رأي نقابة المعلمين في لبنان حول هذا الوضع الكارثي على الاساتذة والتلاميذ والاهل اتصلنا بنقيب الاساتذة في التعليم الخاص الاستاذ رودولف عبود الذي أكد كارثية الوضع التعليمي اليوم مع التعليم عن بعد وصرح بالقول: «الوضع نقمة على الجميع من اساتذه وطلاب واهل ولكن لم يكن هناك بديل عن التعليم عن بعد. وهو مفيد حسب المدرسة وحسب المتلقي وحسب الاوضاع العامة في كل منزل من توفر الوسائل اللازمة لهذا النوع من العليم اضافةً الى الكهرباء والانترنت وغيرها. لذلك فان الافادة منه غير معممة على الجميع وهي بالتالي نسبية بحسب كل شخص».

اما عن مصير العام الدراسي والامتحانات الرسمية وعما اذا كان سيكون مصيرها مشابهاً للعام الماضي قال: «كل المحاولات والجهود تتم لكيلا يكون المصير مشابهاً للعام الماضي. حرام فنحن امام مشكلة كبيرة وفعلياً لا ادري اذا كان سيتحقق هذا الامر وتتم الامتحانات الرسمية كما يجب فالموضوع مرتبط بحسب التطورات. ولكن في حال استمررنا بالتعليم عن بعد فان الامتحانات الرسمية ستكون شبه مستحيلة! اذ يجب ان يكون يكون التعليم حضورياً لنكتشف من هم الذين استفادوا من التعليم عن بعد وتقوية الذين لم يستفيدوا اذ ان الاستفاده نسبية حتى تكون هناك مساواة في الفرص لجميع التلاميذ على حد سواء».

وعما اذا كانت المدارس ستفتح أبوابها قريباً وعن الحل اللازم للعودة القريبة وعدم خسارة العام الدراسي وبالتالي التمكن من اجراء الامتحانات الرسمية أجاب عبود : «مش معروف بعد متى ستكون العودة واذا ما كانت ستتم في الوقت القريب فهذا القرار يتم دراسته في الوزارة. ولكن من المستحيل ان يعود الاساتذة الى التعليم اذا بقي الوضع على ما هو عليه اليوم لأن عودتهم ستكون خطرة وغير سليمة وغير صحية ان بالنسبة لهم وللتلاميذ. ولا يمكن لادارات المدارس اجبار الاساتذة على الحضور بل عندئذ يجب ان يكون الحضور خيارياً. ويجب ان تكون هذه المسالة اولوية اليوم وتوضَّح بشكل اساسي ومهم فمن الافضل الا تفتح المدارس ابوابها  اذا لم يصدروا قراراً يضعون فيه الاساتذة والطلاب في الاولوية لاخذ اللقاح! فعندما يكونون في الاولوية ويتلقون اللقاح عندئذ يتم فتح المدارس في امان. واذا لم يتم هذا الامر ولم يتم وضع الاساتذه والطلاب في الاولوية لتلقي لقاح فلا يمكن لادارات المدارس أن تجبر الاساتذة على الحضور والتعليم بل عندئذ يجب ان يكون هذا الامر اختياريا لان المدرسة في هذه الحال لا تتحمل المسؤولية في حال تعرض الاستاذ للخطر واصيبت بكورونا! من هذا المنطلق يجب اولاً ان يتم تلقيح الاساتذه والطلاب وبعدها تفتح المدارس بشكل آمن وصحي».