من الواضح أن وقائع التجمّع الشعبي في بكركي والرسائل المتعدّدة التي حملتها كلمة البطريرك الماروني بشارة الراعي، قد أدخلت عناصر جديدة على المشهد السياسي الداخلي بعدما كانت لهذا الحدث دلالات على أكثر من مستوى سياسي محلي وخارجي. وبالإستناد إلى مصادر وزارية سابقة، فإن البطريرك الراعي قد حرّك المياه الراكدة، كما حرّك القوى السياسية التي كانت على الحياد في الملف الحكومي تحديداً، وأعاد بالتالي إحياء قنوات التواصل، ولو بالواسطة، بين بكركي بشكل خاص، والمعنيين بالوضع الحكومي بالدرجة الأولى، وصولاً إلى الإستحقاقات المالية والإقتصادية المتروكة من دون أية معالجات، على الرغم من تفاقم الأزمة الإجتماعية وعودة الحراك الشعبي إلى الشارع.

وعلى أهمية الناحية السياسية في الحدث «البطريركي» يوم السبت الفائت، تؤكد هذه المصادر الوزارية، أن الإنسداد على مستوى الإنقاذ من زاوية تأليف الحكومة المتخصّصة، قد شكّل الدافع الرئيسي والأساسي أمام التحرك الشعبي إلى بكركي أولاً، وثانياً وراء التصعيد في مواقف البطريرك الراعي، والذي استهدف كل الأطراف السياسية من دون أية استثناءات، وذلك، بصرف النظر عن المقاربات التي سُجّلت قبل وبعد السبت الأخير. وإذا كان خيار الحياد الذي رفعه البطريرك الراعي، قد حمل أكثر من تفسير لدى القوى السياسية على اختلافها، فإن التناقضات الحالية على الساحة الداخلية والتأزم والخطاب الطائفي والمذهبي، قد أتت قبل «تصعيد» بكركي، كما كشفت المصادر نفسها، والتي حذّرت من منعطف خطير يمرّ به لبنان في الفترة الراهنة، مشدّدة على أهمية عدم استمرار الإنقسام الطائفي والسياسي، والإكتفاء بالقراءة السطحية للمبادرة البطريركية، والتي تهدف في الدرجة الأولى إلى تحديد مسار الحل والإنقاذ من الإنهيار من خلال النأي بالنفس عن الصراعات الكبرى، والتي تأتي دائماً على حساب اللبنانيين أنفسهم، وليس على حساب فريق معين.

وركزت المصادر الوزارية نفسها، على أن طغيان المناخ الطائفي على عملية تأليف الحكومة تحديداً، هو المسؤول عن الإنسداد السياسي، وهو الذي دفع ببكركي إلى التحرّك عندما «تقاعس» الباقون عن الإنقاذ.ووجدت أن الخطاب الطائفي الذي لا يستهدف سوى حقوق الطوائف من باب الصلاحيات الدستورية لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، بالإضافة الى العِقَد الخارجية التي تحكّمت بالعلاقات ما بين المعنيين بالملف الحكومي، ساهمت في زيادة التوتر على مستوى العلاقات بين قصر بعبدا وبيت الوسط، وأدّت الى مواجهة متعدّدة الأوجه على الصعيدين المالي والإقتصادي، كان الإنهيار نتيجتها الحتمية.

لذا، أضافت المصادر ذاتها،أنه من هذه الزاوية انطلق قطار المشاورات في بكركي، والتي بدأت في الإطار الوطني وما زالت، بصرف النظر عن الردود التي حصلت في الساعات الـ48 الماضية، والتي ما زالت أولية، ولا تعكس الواقع الفعلي للمشهد السياسي الداخلي في المرحلة المقبلة، وخصوصاً عندما ستجد الأطراف المعنية بـ«الإنقاذ» قبل فوات الآوان، أن الحاجة ماسّة للإنخراط في حوار وطني حقيقي يؤمن خارطة طريق الإنقاذ الفعلية.