أي لبنان، أي منطقة، اذا ما عاد البيت الأبيض الى الاتفاق النووي ؟

تكفي قراءة خاطفة لما وراء الوجوه : لماذا كل ذلك التوجس، والى حد التفكير بخيارات انتحارية، من صفقة ما تعقد وراء الضوء بين واشنطن وطهران ؟

حتى غلاة المناوئين للولايات المتحدة لا يريدون للدور الأميركي، ولا للدور الغربي بوجه عام، أن ينحسر عن لبنان . لا الصين، بالأدمغة المقفلة والغامضة، يمكن أن تكون البديل، ولا ايران، بالبنية الايديولوجية ذات البعد الواحد، يمكن أن تكون البديل.

لبنان عبارة عن فسيفساء مثلما هي سوسيوسياسية هي سوسيوثقافية . لا مجال للانتقال من اسلوب (وفلسفة) حياة الى اسلوب آخر (وفلسفة أخرى)، والا كان ... الخراب !

واذا كان الضوء الأخضر لتشكيل الحكومة عالقاً في مكان ما، فالسبب هو انتظار ما يمكن أن يحدث، ودون اغفال أن البعض يعتبر أن لبنان، بوجوده على حافة الهاوية، وربما على حافة الانفجار، ما زال بالامكان استخدامه كورقة تكتيكية للضغط في هذا الاتجاه أو ذاك.

في كل الأحوال، يحق لـ «الفريق الأميركي» داخل المنظومة اللبنانية أن يبدي خشيته من الاحتمالات الجيوسياسية، بعدما حددت ادارة جو بايدن خارطة الطريق الى الباسيفيك. اذ يتعذر، أو يستحيل، النزول الى الخنادق، لا مجال الا للمتاريس السياسية (والطائفية)، ناهيك عن العناوين الفضفاضة التي لا تعدو كونها فقاعات آنية ولا تصل، ولا توصل، الى مكان.

ثمة من يراهن على الجنون الاسرائيلي من جهة، وعلى الخيار العثماني من جهة أخرى. في الحالتين هذا رهان عبثي على التفجير . لكن الأميركيين، الذين لا بد منهم، أقفلوا الأبواب العسكرية في الشرق الأوسط، وفتحوا الأبواب الديبلوماسية (من الغرنيكا اليمنية).

هذا بعدما أبلغوا القادة الاسرائيليين أن البيت الأبيض سيبذل أقصى ما لديه لدى طهران، ودمشق، من أجل ابداء المرونة حيال مسار الصراع، أو ما تبقى من الصراع، في الشرق الأوسط.

ماذا عن الرهان على دور تركي في تشكيل خلايا للـ «اخوان المسلمين» في الشمال اللبناني، بالشراكة مع قوى سياسية في المنطقة، مع استثمار منهجي للضائقة الاقتصادية، والضائقة الاجتماعية، فضلاً عن السخط العام على أداء الطبقة السياسية ؟

المعلومات تؤكد أن موسكو أبلغت أنقرة بأنها ترى في الشمال الخاصرة السورية الأكثر حساسية بالنسبة الى الاستراتيجية الروسية. هنا الخط الأحمر، ولا امكانية لاختراقه، أو لتشكيل نيوانكشارية على غرار ما حصل في بلدان أخرى، والا فان الأمور تأخذ منحى مختلفاً، بعيداً عن المصلحة الحيوية التركية. وراء الضوء، ثمة من ينصح «لا تدعوا سعد الحريري الذي فقد الكثير من أوراقه ينتحر. أن يتحول الى أحمد أسير آخر، ولكن بياقة فاخرة، وبديناميكية أكثر تأثيراً بكثير. الأفضل أن يبقى في «البيت الفرنسي»، وأن يبقى في موقع الاعتدال، وان كان موقع المرجعية العربية منه أربكه، وأرهقه، على نحو مدمر ...

ولكن ماذا بقي من أوراق الرئيس ميشال عون ؟ أوراق الروزنامة تتساقط بسرعة هائلة. لم يعد الأقوى في الطائفة بعدما رفع البطريرك الصولجان (في وجهه ؟)، وبعدما أظهرت استطلاعات الرأي أن الناخبين لم يعودوا يقرعون الطبول للجنرال.

اذاً، لا خيار سوى اطلاق يد الرئيس المكلف ليبقى حيث هو، وليعمل لما تبقى من العهد. هذا بعدما تردد أن رئيس تيار المستقبل الذي لم يعد يستطيع الانتظار داخل الثلاجة قد ينزل الى الشارع اذا لم يكن قد نزل فعلاً ..

هل يلتقط سيد القصر الفرصة الأخيرة، ويوقع على مرسوم التشكيل دون أن ينظر الى الأسماء، وكما فعل الفرنسي ريمون بوانكاريه حين قدم له جورج كليمنصو تشكيلة حكومته ؟

لا جدوى من انتظار تداعيات ما يحدث بين واشنطن وطهران. لبنان في آخر اللائحة ...