مخاوف من تحويل الشارع الى شوارع ومصادرة الاحتجاجات بالكباش السياسي

هل استنفذت كل المساعي لتشكيل الحكومة مع انتقال الكباش عليها الى الشارع في ظل تسارع الانهيار الاقتصادي والنقدي والمعيشي؟ الوقائع والتطورات الاخيرة تؤكد ان الصراع حول تشكيلة الحكومة تحول الى معركة مفتوحة تجاوزت تبادل الاتهامات والبيانات الى حرب قاسية تستخدم فيها كل الوسائل المتاحة وتشارك فيها اطراف متعددة منها ما هو في السلطة ومنها ما هو خارجها.

ووفقا للمعلومات المتوافرة حول الازمة الحكومية فان كلا من الرئيسين عون والحريري وصلا الى مفترق صعب وخطير بسبب اصرار كل منهما على التمسك بمواقفه بحيث بات الوضع يحتاج الى صدمة قوية تتجاوز سقف المساعي العادية التي كانت تبذل حتى الامس القريب.

وتكشف المستجدات التي سجلت في الثماني والاربعين ساعة الماضية دخول قوى سياسية مجددا بقوة على خط الاحتجاجات في الشارع، وقد انعكس ذلك من خلال اختلاف الشعارات بين منطقة واخرى وشارع وآخر. ولوحظ امس بوضوح ان بعض القوى عمم خطابه السياسي على كثير من المحتجين في جل الديب والدورة والزوق وجبيل التي وزعت فيها بيانات مجهولة التوقيع تدعو الى التدويل ونزع ما وصفته بسلاح الميليشيات ولم تتضمن اي شعار مطلبي يتعلق بحاجات الناس وشكواها.

بينما ركز المحتجون في ساحة الشهداء وفي الجنوب ومناطق اخرى على القضايا المطلبية وعلى اسقاط كل رموز السلطة.

ورفع محتجون آخرون في الطريق الجديدة وفي الشمال شعارات مطلبية واخرى ضد رئيس الجمهورية والعهد.

وفي ظل هذا الانزلاق نحو مزيد من استغلال الاحتجاجات الشعبية والفلتان واهتزاز الاستقرار دق قائد الجيش العماد جوزف عون ناقوس الخطر محذرا من تداعيات الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، متوجها الى المسؤولين الساسيين بالقول «الى اين ذاهبون؟ ماذا تنوون ان تفعلوا؟ لقد حذرنا اكثر من مرة من خطورة الوضع وامكان انفجاره؟». واذ تكلم عن فقر وجوع الشعب اكد «نحن مع حرية التعبير السلمي التي يرعاها الدستور والمواثيق الدولية، لكننا لسنا مع التعدي على الاملاك العامة والخاصة، ولن نسمح بأي مس بالاستقرار والسلم الاهلي».

ولفت ايضا امس بيان المكتب السياسي لحركة امل وتحذيره من «استغلال الاحتجاجات لغايات شعبوية تدخل الفتنة وتداعياتها البغيضة واخطارها على الاستقرار والسلم الاهلي من بابها تحت عناوين طائفية ومذهبية او مناطقية.»

وفي ظل هذا المشهد الشديد التوتر بقيت المتاريس السياسية سيدة الموقف ما صعّب ويصعّب مقاربة الحلول للأزمة التي تعصف في البلاد. وبدا واضحا من خلال كلام الرئيس عون في الاجتماع الوزاري والامني والمالي والقضائي غضبه من الحملات المنظمة لاستهداف العهد بقوله « اتيت لاحداث التغيير الذي ينشده اللبنانيون، ولن اتراجع وانا ماض ببرنامجي الاصلاحي مهما بلغت الضغوط».

ويقول مصدر في التيار الوطني الحر ان المشهد يتكرر فهناك قوى معروفة تحاول استغلال وجع الناس للتصويب على رئيس الجمهورية متجاهلة اسباب الازمة التي تعود للسياسة التي اتبعت منذ ثلاثين سنة واكثر وما اقترفه من كان في السلطة منذ ذلك التاريخ.

واكدت ان مثل هذه الحملات لن تجدي نفعا بل ستزيد الازمة تفاقما، مجددة مطالبة الرئيس المكلف بالمبادرة الى استئناف العمل لتشكيل الحكومة.

وفي المقابل تقول مصادر سياسية معارضة للعهد ان ما وصلت اليه البلاد من انهيار اثبت ان شعار الاصلاح والتغيير ليس سوى مجرد شعار للتعمية على فشل نهجه، مؤكدة ان التجربة برهنت عقم هذا الشعار، ومحملة السلطة ورئيس الجمهورية مسؤولية ما نشهده اليوم من احتجاجات شعبية هو بسبب فقر وجوع الناس وانهيار الليرة.

وفي بيت الوسط لم يتبدل الموقف حيث تتهم اوساط الحريري رئيس الجمهورية وصهره باسيل باستمرار عرقلة تاليف الحكومة وممارسة المناورات، مؤكدة ان رمي الاتهامات تارة على اطراف في الداخل وتارة على الخارج يندرج في اطار التنصل من مسؤولية ما وصلنا اليه بسبب هذه السياسة التعطيلية.

ويلخص مصدر سياس الوضع الراهن بانه بات ينذر جديا بالانحدار نحو الانفلات الكامل، محذرا من انه ما لم تبادر القوى السياسية الفاعلة الى تدارك الموقف فان تداعيات خطيرة يمكن ان تحصل في الشارع الذي يشهد توترات شديدة.

ويرى في الوقت نفسه ان الفرصة ما زالت متاحة لاستدراك ما يجري وتشكيل الحكومة خارج منطق المحاصصة والحسابات السياسية الضيقة، لكن الهامش يضيق بسرعة ولا مجال لمزيد من المماطلة في ظل انهيار الوضع الاقتصادي والمالي واهتزاز الاستقرار العام في البلاد.

ويؤكد ان الحلول ما زالت متاحة من خلال تأليف الحكومة القادرة على فرملة هذا الانهيار الكبير وتامين الدعم الخارجي للبنان.