ساعات حاسمة حكوميا.. الرئيس المكلف امام اختبار <المصداقية> ؟

هل ضاق هامش المناورة عند الرئيس المكلف سعد الحريري العائد الى بيروت من جولة خارجية لم يحصل خلالها على اي وعود جدية بمواكبة تشكيل حكومته المفترضة بدعم لا يضعه مجددا في وجه “الشارع” المنتفض على “الريموت كونترول”؟ هل الحريري اليوم “مزروك” بمبادرة المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم بعدما اعطى رئيس الجمهورية ميشال عون موافقته المبدئية عليها؟ هل يجد نفسه معنيا بتقديم تنازلات لانقاذ ما يمكن انقاذه بعدما تجاوز سعر الدولار العشرة الالاف ليرة؟ وهل سيؤثر التحرك في الشارع بخياراته؟ ام ان اولوياته في مكان آخر؟

كل تلك العوامل لا تبدو في جدول اولوياته، وهو يوحي انه ليس محشورا، لكنه امام اختبار جدي “للمصداقية”، فلو كان مهتما بمعرفة الموقف الحقيقي للرئاسة الاولى من المبادرة لما انتظر كل هذا الوقت في بيروت الغارقة في الفوضى، وكان انتقل من طائرته الآتية من الامارات الى القصر الجمهوري مباشرة لوضع “النقاط على الحروف”، كما تقول اوساط سياسية مطلعة، لكن الرئيس المكلف يصر على “المراوغة” وتضييع الوقت، طمعا في تحسين شروطه الداخلية والخارجية، ويتحدث زواره عن لقاء مرتقب مع اللواء ابراهيم سيكون حاسما بالنسبة اليه كي “يبنى على الشيء مقتضاه”.

وهو حتى مساء امس لم يعطِ اي اجابة على هذه المبادرة ولكنه يتمهل في التعامل معها كيلا يتحمل مسؤولية العرقلة والاطاحة بالحلول الممكنة، بعدما حاول خلال زياراته الخارجية تحميل رئيس الجمهورية والنائب جبران باسيل المسؤولية، وهو سبق وعبر عن انزعاجه من التسريب الاعلامي للمبادرة، وهو في الخارج، واعتبر ان التسريب كان محاولة واضحة للالتفاف على حراكه الخارجي، مشككا في جدية الطرح موحيا انه “مفخخ” ويحتاج الى المزيد من الدراسة والتمحيص، مستمهلا حتى عودته الى بيروت قبل اتخاذ اي موقف ايجابي او سلبي.

ووفقا لاوساط ديبلوماسية، لم يتعامل الحريري مع المبادرة الجديدة بالجدية المطلوبة بدليل انه تجاهلها خلال محادثاته مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ولم تكن على جدول اعمال حواراته مع المسؤولين الاماراتيين، وكان يشكك في نياته الطرف الآخر، وكان يستمهل المستفسرين بالقول “لما انزل على بيروت منشوف”..

وفي هذا السياق تفيد المعلومات، ان الرئيس المكلف ابلغ بعد عودته ان مبادرة اللواء ابراهيم لا تزال على “الطاولة”، وهي لاقت قبول رئيس الجمهورية ومعه التيار الوطني الحر، وفق تسوية تقوم على حصة للرئيس 5 + واحد، اي الوزير الارمني، والتوافق على اسم مشترك للداخلية، وفق صيغة «رابح- رابح». ولهذا فان “الكرة” الان في “ملعب” الحريري، وكان عليه المبادرة الى طلب موعد في القصر الجمهوري، ولهذا فالساعات والايام القليلة المقبلة ستكون حاسمة فاما يدخل الحريري في مغامرة جديدة يتجاوز من خلالها الرضى السعودي، ويتخلى عن سياسة انتظار حسم الخيارات الاميركية، ويقدم على تشكيل حكومة العهد الاخيرة، او ستنتهي “حفلة” التكاذب الداخلية بالاعلان الصريح عن تجاوز المشكلة اطارها الداخلي حول المحاصصة، بتوازنات اقليمة ودولية قد لا تكون مفيدة لكثير من المراهنين على تعديل موازين القوى.

ووفقا لاوساط مطلعة، يبدو الحريري امام اختبار صعب للمصداقية، بعدما نجح حزب الله من خلال دعم وساطة اللواء ابراهيم في تفكيك عقدة “الثلث المعطل”، وفي المقابل لم يتم اشتراط  تغيير العدد المفترض للتشكيلة الحكومية، فما هي الحجة لفرض المبادرة؟ الان لدى الحريري فرصة سانحة للعودة الى السراي الحكومي عبر الادعاء بانه حقق “انتصارا وهميا” من خلال اصراره على تشكيل حكومة مهمة من 18 وزيرا من الاختصاصيين غير السياسيين، مع العلم ان جميع المعنيين يدركون حجم المحاصصة داخلها. لكن قد يمنح “شرف” التسويق لعكس ذلك كي ينطلق في مهمته التسويقية خارجيا، اما اشتراط الحريري موافقة رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل والحصول على الثقة للحكومة من نواب “تكتل لبنان القوي”، فمزحة “سمجة” لن يبتسم لها احد.

وانطلاقا من هذه المعطيات، ثمة انتظار “ثقيل” لمعرفة فرص نجاح تمرير حكومة غير مضمونة النجاح، لكن “الكحل ولا العمى”، كما يقول مسؤول بارز مطلع على الاتصالات، مع العلم ان لا معطيات خارجية تفيد بتطورات دراماتيكية تسهل التسوية، لكن غياب لبنان عن جدول اعمال الخارج قد يمنحه فرصة او هامش لتحريك “المياه الراكدة”، لكن الامر يحتاج الى قرار شجاع من الرئيس المكلف الذي لا يزال يراهن على تعب الرئاسة الاولى المحتاجة الى الوقت الذي ينفذ، ويحاول “الاستقواء” بالعراضات الخارجية معايرا بعبدا “المحاصرة” دوليا واقليميا، ويامل بالحصول على ضمانات اميركية عبر الوسيط الفرنسي، بينما تبين له ان موسكو غير قادرة على المبادرة للتحرك منفردة خصوصا في ظل التوتر المستجد مع ادارة بايدن.

لكن المفارقة تبقى في ان اولوية الحريري في مكان آخر،”فعينه” على مكان آخر، وهو يراقب بقلق تحركات “الشارع” خصوصا التي تتحرك على ايقاع  شقيقه بهاء “اللي ناطره على الكوع”، حسب تلك المصادر، والاكثر اثارة للقلق في هذا الاطار، فشله في ايجاد “المفاتيح” الاقليمية والدولية التي يتحرك في ظلالها منافسه على الساحة السنية، حيث يسبقه بهاء بعاملين، المال، والخطاب السياسي المبني على معاداة حزب الله، بانيا استراتيجيته على اخفاقات الرئيس المكلف لتسويق نفسه في بيئة لم تعد تثق غالبيتها بخياراته بعدما اخفق سياسيا واقتصاديا ويمر “بتفليسة” مالية افقدته القدرة على تعويض الاخفاقات واحتواء غضب الناس. وما لا يعرفه الكثيرون ان الحريري حاول في زيارته الى تركيا، وكذلك خلال مواعيده في الدول الخليجية تتحييد شقيقه، ووقف نشاطه السياسي في لبنان، مفترضا القدرة على اقناع داعميه بوقف دعم مغامراته على الساحة السنية التي لا تحتمل برأيه منافسة مدمرة لكل الاطراف، لكنه عاد “بخفي حنين”، بعدما تنصل الجميع من المسؤولية عن دعمه، ويدرك الحريري الان ان بهاء مستمر في”العبث” في ساحته، وبات على قناعة ان معركته الاكثر قساوة ستكون “داخل البيت”.


معركة الحريري الاقسى <داخل البيت>..عدم اهتمام الخارج فرصة لتمرير التسوية؟

حزب الله دعم اللواء ابراهيم لتفكيك عقدة <الثلث المعطل>