يصنف البنك الدولي بلدان العالم إلى أربع مجموعات - منخفضة الدخل، الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل، والشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل، والبلدان مرتفعة الدخل. يتم تحديث هذه التصنيفات في تموز من كل عام، وتقدر على أساس نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي بالسعر الحالي للدولار الأميركي. فأين لبنان اليوم من هذا التصنيف؟ وما هي أهمية معرفة هذا الأمر؟

تقرير البنك الدولي الصادر في تشرين الأول 2020، سبقه بفترة وجيزة تقرير لـمعهد التمويل الدولي كشف ان لبنان إذا لم تتألف فيه حكومة قبل 2020 وإذا لم يتلق دعماً من صندوق النقد في العام 2021 سيهبط ناتجه المحلي الاجمالي من 51 مليار دولار عام 2019 الى 30 مليار دولار عام 2020 والى 28 مليار دولار عام 2021، وسيرتفع فيه معدل التضخم من حوالى 2 أو 3 % عام 2019 الى 91 % عام 2020 الى 200 % عام 2021 وسيرتفع فيه سعر الدولار في السوق السوداء من معدل 1620 ليرة عام 2019 الى معدل 14500 ليرة عام 2021 (في تقرير اخر لبنك أوف أميركا - ميريل لينش توقع ارتفاع السعر الى 45 ألف ليرة)

دخلنا العام 2021 والحكومة لم تؤلف بعد وما من مؤشرات على أنها سوف تتألف في القريب العاجل، الناتج المحلي تدهور أكثر، معدل التضخم أخذ في الإرتفاع والدولار لامس الـ 11.000 ليرة لبنانية في الربع الأول من العام. فماذا عن الدخل الفردي في خضم هذه الأرقام الكارثية؟

 لبنان لا يرتقي إلى مستوى دولة بالناتج المحلي الحالي، بل قرية!!

للحصول على إجابات العلمية والواقعية في هذا الصدد، قامت «الديار» بالإتصال بالخبير الإقتصادي والمالي الدكتور لويس حبيقة الذي أكد أن الناتج المحلي تدهور من 60 مليار دولار في 2019 إلى 20 مليار دولار في 2020 والرقم مرجح إلى المزيد من الإنخفاض. فوفق حبيقة هكذا رقم قد يصلح لأن يكون ناتج محلي لمدينة صغيرة في أوروبا على سبيل المثال وليس لبلد وكيان كامل كلبنان، أي بمعنى اخر فان لبنان إقتصادياً أصبح بمثابة قرية!

المؤسف وفق حبيقة اننا في لبنان لا نملك مؤشر لقياس الغلاء المعيشي، علماً اننا نملك ما يعرف بالمديرية العامة للإحصاء المركزي وهي مؤسسة تابعة لرئاسة الحكومة مباشرةً وبها من الأشخاص الكفوئين ما يلزم للقيام بالدراسات اللازمة وإعطاء الأرقام الصحيحة. هذا الجهاز معطل وغير قادر على العمل لأنه لا يولى الأهمية اللازمة ولا يتم مده بالمعدات اللازمة أيضاً، كما أنه بحاجة لأن يتم الإعتراف الرسمي بالنتائج الصادرة عنه دون التدخل للتلاعب بالأرقام.

يؤكد حبيقة ان الوضع قد يسوء أكثر قليلاً بعد كوننا بلغنا من السوء مرحلة بعيدة، ويستطرد مؤكداً أن سبب ما يجري هو بسبب كون لبنان بلد متأرجح جداً نظرا لغياب المؤسسات القوية وتأثره بما يجري به ومن حوله بشكل كبير.

فالناتج الفردي السنوي، فيرى السيد أن الرقم تدهور من 12.000 دولار في السنة عام 2019 إلى 4.000 دولار في السنة عام 2021 أي ما يوازي خسارة ثلثي القيمة وهذا أمر كارثي، وهو مازال متجه أيضاً إلى المزيد من الإنخفاض.

 الحل الوحيد هو حكومة ذات مصداقية ليتعافى الناتج الفردي في غضون 6 أشهر

الحل الوحيد براي حبيقة هو تشكيل حكومة ذات مصداقية، مباشرة المفاوضات مع صندوق النقد الذي هو بدوره ينتظرنا ايضا، وإتخاذ خطوات كبيرة فيما خص موضوع الفساد لإظهار الجدية للمجتمع الدولي ثم بعد ذلك سوف تتدفق الكثير من الأموال إلى لبنان من الخارج من تحويلات وغيره ومعظم الأموال التي هي في المنازل سوف تعود إلى السوق فوراً الأمر الذي سوف يؤدي إلى تراجع كبير في قيمة الدولار أيضاً إلى ما يوازي 8000 ليرة وأن الناتج الفردي اللبناني سوف يصبح قادر على التعافي في غضون 6 أشهر وعلى إعادة الثلثين اللذين كان قد خسرهما في 3 اعوام.

أما في حال عدم التوافق، يعتبر السيد حبيقة أن الوضع الأمني سوف يتأثر بشكل كبير وسوف تصبح الأمور أكثر خطورة على الأرض، على الرغم من الميزة التي يتمتع به اللبناني إلى حد الأن وهي صبره وتحمله للجوع الذي يعاني منه وبالتالي لم نشهد بعد تدهوراً امنياً خطيراً كما حدث في بعض البلدان عندما جاعت الشعوب، ولكن لا يمكن الإتكال على هذه الميزة ومن المجحف والمعيب بالأساس الرهان على هذا الأمر.

إذاً الحل معلب، لا بل مغلف، وجاهز، ولبنان قادر على التعافي وإستعادة بعض مما كان قد خسره في هذه الأزمة، إلا أن الأطياف السياسية تعمي النظر بشكل كامل عن هذا الأمر وما زالت تمعن وقاحة في المقامرة على دماء شعبها من محازبين وغيرهم.

بات الأن جلي للجميع أن ما ينقذ لبنان يغرقهم، وكل ما ضاق الخناق علينا وأمعن الجوع والفقر نهشاً بأجسادنا فانهم بخير، بخير جداً!