بحثاً عن «حياة هادئة» وسط جهّنم الموعودة للّبنانيين؟

«الديار» تفتح الملف وتسأل المعنيّين بالأرقام والدراسات والتفاصيل

«يعيش اللبناني أسوأ حياة في العالم»، خلاصة توصّل إليها مؤشّر «غالوب» العالمي مؤخراً، لافتاً إلى أنّ 4 في المائة فقط من اللبنانيين قيّموا حياتهم بشكل إيجابي، بما يكفي لاعتبارها «مزدهرة» وهي أسوأ نتيجة في سجل «غالوب» لأي بلد. ولكن لا تبدو هذه النتيجة صادمة لأي مواطن لبناني، حتى ولو كانت تعتمد على تقويم قامت به «غالوب» عام 2019، إذ إنّ الأزمات في لبنان بدأت عام 2019، واستفحلت خلال عام 2020 وما زالت مستمرة حتى اليوم، لا سيّما بعد وباء كورونا وانفجار المرفأ اللذان زادا معاناة حياة اللبناني اليوميّة.

وقد تراجع مؤشّر التجارب الإيجابيّة عند اللبنانيين، حسب «غالوب» بشكل كبير، عام 2019، وزادت التجارب السلبيّة، أما في العام 2020 الكارثي، فالأمر لا يحتاج إلى تقارير، فيكفي الحديث عن تجربة انفجار المرفأ التي تركت خوفاً وتوتراً مستمرين.

وليس غريباً مع كلّ هذه الضغوطات أن تكون أدويّة الأعصاب والمهدئات من أول الأدوية التي انقطعت من السوق اللبنانيّة، بعد الحديث عن إمكانيّة رفع الدعم عن الدواء، إذ تهافت اللبنانيون إلى شراء هذه الأدوية، وتخزينها تماماً، كما فعلوا مع أدوية السرطان والأمراض المزمنة، حسب ما يوضح نقيب الصيادلة غسّان الأمين، لافتاً في حديث مع «الديار»، إلى أنّ نسبة استهلاك أدوية الأعصاب ارتفع من عام 2015 إلى العام الحالي بنسبة 20 في المائة. الأخطر أن شراء هذه الأدوية وتخزينها خشية إلغاء الدعم، ليسا محصورَين بمرضى الأعصاب والاضطرابات النفسية، بل يشملان «عاديين» باتوا يخزّنون أدوية الأعصاب مثلما يخزّنون دواء خافض الحرارة.

فقد اجتمعت سلسلة مصائب وكوارث صحية وأمنية واقتصادية لتضرب صحة اللبنانيين النفسية، وفي الأوقات العصيبة وخلال الأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان ولا يزال، خصوصاً خلال العام 2020، لجأ قسم كبير من اللبنانيين إلى الحبوب المهدئة والمسكنات ليتمكنوا من التعاطي مع واقعهم الأليم. وجاء كلام نقيب الصيادلة في لبنان غسان الأمين ليؤكد المؤكد لناحية الزيادة الكبيرة في استهلاك هذه الحبوب خلال العام الحالي، الذي حفل بأحداث مصيرية خطيرة ومدمرة للبنان على أكثر من صعيد. وفي وقت شهد عام 2020 تشريع زراعة الحشيشة في البرلمان اللبناني، فإن المواطن العادي لجأ من أجل ضبط أعصابه ونسيان مشاكله الظرفية والمستعصية، إلى الحبوب المهدئة مثل «كزاناكس، وسيروكزات، وسيبرالكس، وإنبالتا»، فيما انتشر في أوساط الشبان تعاطي العقاقير والحبوب المخدرة، وبلوغ مرحلة الإدمان عليها نظراً إلى سعرها المقبول مقارنةً بالمواد المحظورة. 

ويوماً بعد آخر، مع الأزمات المتلاحقة، يصبح الاكتئاب جماعياً في لبنان. بين أزمة ارتفاع الدولار وانعكاساته على الأوضاع المعيشية والحصاد اليومي لفيروس كورونا، لم تعُد الصحة النفسيّة للبنانيين بخير، ازداد «عدّاد» اللائذين إلى الأدوية المهدّئة للأعصاب، سواء كانوا مرضى أعصاب «مزمنين» أو «طارئين» على هذا «العالم». 

ويُعتبر الاكتئاب من الاضطرابات الشائعة. وشهد العالم في عام 2020، ازدياد حجم هذه الشريحة التي تعاني من مشاكل نفسية عدة. وبحسب منظمة الصحة العالمية، يعاني أكثر من 300 مليون شخص من كل الأعمار حول العالم من الإكتئاب. واعتُبر الاكتئاب السبب الرئيسي للعجز في العالم، وهو المساهم الأساسي في العبء العالمي الكلي للمرض، كما تتأثر النساء بهذا الاضطراب أكثر من الرجال.

وينسحب ذلك على لبنان، حيث يتناول المواطن الأدوية المهدئة والمضادة للاكتئاب بكثرة. بدأت رحلة جوانا مع الحبوب المهدئة منذ خمس سنوات إثر صدمة عائلية أليمة. وتُقر أن «لهذه العقاقير مفعولاً شبيهاً بمسكن الآلام، الذي يُنسينا مؤقتاً الألم إلا أنه لا يُلغيها أو يقضي عليها بصورة نهائية». وتقول إنها عاشت في بعض الأحيان «حالات من السكون المفرط والمنفصل عن الواقع»، وتشعر «بارتياح مزاج معتدل، وذهن صافٍ». وتشير جوانا إلى أنها تحصل على حبوب «كزاناكس» بوصفةٍ طبية، أما أدوية الاكتئاب فتحاول تأمينها بالاتفاق مع الصيدلي، وبمتابعة من الطبيب الذي تحرص على استشارته، لأن «كزاناكس» يحتوي على نسبة كبيرة من المخدر. كما تطمح إلى وقف استخدام هذه الأدوية لأنها تسبب آلاماً بالعظام وأنحاء مختلفة من الجسد.

} ازدياد استهلاك الأدوية المهدئة }

وازدياد استهلاك أدوية الأعصاب أمر مفهوم على الصعيد النفسي، كما تؤكد الاختصاصية في علم النفس العيادي رانيا البوبو، لافتة في حديث مع «الديار»، إلى أنّ المواطن اللبناني «ملّ البحث عن حلول وفقد الأمل في إيجادها، فلجأ إلى المسكّن النفسي ليوقف قدرته على الانفعال، بدلاً من البحث عن العلاج، وذلك ربما مرتبط باعتباره أنّ الغد مجهول».

وإذا كانت نسبة اللبنانيين الذين شعروا بالحزن، تضاعفت حسب «غالوب» من عام 2018 إلى عام 2019، لتبلغ 43 في المائة، مترافقة مع ارتفاع القلق ليصل إلى نسبة 40 في المائة، والضغط إلى 61 في المائة، فإنّه يمكن الحديث حالياً عن «اضطراب ما بعد الصدمة على مستوى جماعي يعيشه اللبنانيون»، حسب البوبو «فالكل في لبنان يعيش حال الخوف والقلق والفراغ واجترار للأفكار السوداوية طوال الوقت الأمر الذي يجعل اللبنانيين يعيشون نوعاً من الاكتئاب الجماعي يعبرون عنه بحياتهم اليومية وبعلاقاتهم مع الآخرين، لا سيّما مع الأسرة، ومن هنا قد نشهد ارتفاعاً في حالات العنف الأسري، وبالجرائم التي قد تحصل لأسباب بسيطة مثل أحقيّة مرور، وحتى لتزايد الأفكار الانتحاريّة».

في سياقٍ متصل، كانت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية أشارت إلى الارتفاع الملحوظ في عدد الاتصالات الواردة على الخط الساخن للتبليغ عن شكاوى العنف الأسري.

وتكمل البوبو حديثها مع «الديار» عن فقدان إحساس المواطن اللبناني بالأمان، وبوجود منظومة تحميه يُضاف إليه الشعور بالقيد والتكبيل، «كأن المواطن سجين في وطن كبير ممنوع عليه الخروج منه بسبب إجراءات مطارات العالم المرتبطة بـ(كورونا)، وعدم استقبال معظم دول العالم للبنانيين لأسباب تتعلّق بالوباء أو أخرى سياسيّة» مضيفة أنّ الأصعب أنّ المواطن مكبّل داخل السجن مع سلطة تتحكّم بتفاصيل حياته تهدّده بأمنه الغذائي والصحي، ما يجعله يشعر بأنه مسلوب الإرادة، فيبحث عن أي أمل، ولو كان محفوفاً بالمخاطر تماماً، كما حال اللبنانيين الذين قرّروا الهجرة بحراً بطريقة غير شرعيّة عبر قوارب الموت.

هذا واشارت البوبو إلى أن الكارثي في الوضع «اعتياد اللبناني المشاهد اللاإنسانيّة والتأقلم بشكل سلبي ما يدلّ على تدهور الوضع النفسي للأشخاص، واستمرار الوضع على حاله قد يؤدي إما إلى ازدياد الأمراض النفسيّة، والاستسلام، أو انفجار جماعي على قاعدة لم يبق شيء يمكن الخوف على خسارته». 

وفي عزّ الأزمة، كان من الطبيعيّ أن تكون أدوية الأعصاب، وفي مقدمها المهدئات، في مقدم الأدوية التي «طارت» عن رفوف الصيدليات. ولئن كانت أدوية الأمراض السرطانية والمستعصية أول المفقودين» لم يتنبّه كثر إلى أن أدوية الأعصاب حلّت ثانية على لائحة الأدوية المفقودة. وحدهم من يستخدمون تلك الأدوية يعرفون ماذا يعني أن لا توجد من السوق، وكذلك العاملون في هذا القطاع، وعلى رأسهم الصيادلة.

} منذ العام 2015 والادوية

تسلك مساراً تصاعدياً }

نقيب الصيادلة، غسان الأمين، لا يعتبر انقطاع مضادات الاكتئاب والمهدئات خارجاً عن المألوف، «فمنذ عام 2015، اتّخذ استهلاك هذه الأدوية مساراً تصاعدياً، وزادت نسبة استهلاكها 20% عمّا كانت عليه قبل ذلك التاريخ». ما هو غير مألوف هو عندما تزيد نسبة استهلاك هذه الأدوية،  «وهذا يعني أن هناك أمراً غير طبيعيّ، لأن الأطباء غالباً ما يوقفون مرضاهم عن تناول هذه الأدوية بعد فترة، ما يفترض أن ينعكس تراجعاً في الاستهلاك لا ارتفاعاً».

أكثر من ذلك، يلفت الأمين إلى أن «الطلب على مضادات الاكتئاب، مثلاً، زاد بنسبة كبيرة هذه السنة، كما ارتفع استهلاك المهدئات (كزاناكس، لكزوتانيل..). وهذا يعني أن هذه الأدوية لم تعُد محصورة بالمرضى فقط، وإنّما تطال شريحة أوسع من الناس» . وتساهم أسباب كثيرة في وصول الناس إلى حافة الكآبة والقلق، منها ما هو مزمن كالوضع الاقتصادي المستمر منذ أكثر من عام تقريباً وبعضها آنيّ يتعلّق بانهيار سعر صرف الليرة وما حمله من ارتفاع في أسعار السلع الأساسية. كل هذه كانت كفيلة بأن تجعل تلك الأدوية جزءاً من حياة اللبنانيين، وأن يتهافتوا عليها لتخزينها في البيوت، أسوة بالأدوية الأخرى، مع بدء الحديث عن اقتراب إلغاء الدعم عن هذا القطاع. ولهذا، نوه الأمين، «يقوم الصيادلة بضربة استباقية، من خلال الامتناع عن صرف تلك الأدوية الا بوصفة طبيّة من جهة، وبالتوعية من جهة أخرى عبر الاستفاضة بالسؤال عن سبب استخدام الدواء».

في المقابل، أكد مالكو الصيدليات ازدياد الطلب على الأدوية المهدئة بشكل عام مثل «أبوباراكسوتين» و»سولوتين». ولكن لا بد من التشديد على ضرورة التعامل بحذر مع هذه المجموعة من الأدوية، لأن لها آثاراً جانبية خطرة، بدءاً من آلام الرأس إلى انحطاط الجسم، والغثيان والدوار، لذلك يجب البدء في تناولها تدريجاً «نصف حبة لمدة أسبوعين، ومن ثم حبة كاملة. وتستمر هذه الحالة لفترة من الزمن إلى أن يقرر الطبيب عكس ذلك وبصورة تنازلية.

واليوم دخلت هذه الأدوية مرحلة الخطر لأن بعضها فُقد من السوق بسبب عدم تزويد المستودعات للصيدليات بطلباتها حيث تطلب الصيدلية 20 علبة دواء، ولا تُعطى أكثر من 5، إلى جانب قيام المواطنين بـتموين أنفسهم بالأدوية خوفاً من رفع الدعم عنها وانقطاعها كلياً. ويحرص الصيادلة على وجود وصفة طبية من أجل بيع أدوية «الكزاناكس، والليكزوتانين، الستينوكس، الليبوتريل، والفاليوم»، ويتم وضعها في خزنة مقفلة ومعزولة، ويتم قيدها في دفتر مصادَق عليه من قبل نقابة الصيادلة.

} ضغوط اقتصادية ونفسية من «كورونا» }

وإلى جانب المشاكل السياسية والأزمات الاقتصادية وهشاشة الوضع الأمني، تحتل كورونا موقعاً متقدماً على قائمة التحديات التي تسبب المشاكل النفسية والاكتئاب لدى المواطن اللبناني. ويجزم الدكتور عبد الرحمن البزري (رئيس لجنة استقبال اللقاح في لبنان) في حديث لـ»الديار» أن «الوباء ضرب لبنان في أسوأ مرحلة يعيشها من اهتراء على كل المستويات، ولامبالاة أفرقاء السلطة بأوضاع المواطنين، وكذلك فإن الدولة مفلسة ومنهوبة والشباب عاطل عن العمل. وأسهمت هذه الأمور مجتمعة في زيادة الضغوط الاقتصادية والنفسية الناجمة عن البقاء في المنزل وإقفال المصالح من أجل التباعد».

وحذر البزري من انتشار ظاهرة تعاطي العقاقير وأدوية الاكتئاب المنتشرة بين اللبنانيين، مؤكداً أنه «يُمنع على سائر الأفراد سواء كانوا من مرضى كورونا أو غيرهم اللجوء إلى استعمال أدوية الاكتئاب والمهدئات من دون وصفة وإشراف طبي، لأن لذلك آثاراً سلبية كبيرة». وأمل أن تؤدي الأخبار الإيجابية عن لقاح «فايزر» إلى إشاعة نوع من الراحة في أوساط المواطنين، لافتاً إلى أن «للمواطن الحرية في أخذ اللقاح من عدمه، كما أنه سيكون مجانياً، وسيشمل كل مقيم على الأراضي اللبنانية سواء كان مواطناً أو لاجئاً بسبب المسؤولية المجتمعية والمصلحة الوطنية».

ودعا البزري إلى «مصارحة الناس وتبسيط الطروح العلمية في موضوع جائحة كورونا من أجل التقليل من مستويات القلق والاكتئاب». منوهاً إن «البشرية لا تحتمل البقاء من أربع إلى ثماني سنوات في حياة مضطربة»، معبراً عن اعتقاده أن «الحل المؤقت هو باللقاح «، لافتاً إلى أنه «من أجل الوصول إلى مستوى تلقيح حامٍ مجتمعياً، نحن بحاجة إلى نحو السنة ونصف السنة، فهي ليست مسحة سحرية، ولن تنتج مفعولها خلال أيام، وسيحتاج كل فرد للتلقيح مرتين» في رحلة الوصول إلى المناعة الجسدية والنفسية التي بدأت مع الأشخاص الموجودين في الخطوط الأمامية لمواجهة الوباء، وكبار السن الذين يعانون من أمراض مزمنة، والأفراد الذين يديرون شؤون البلاد.»

هي ليست أزمة عابرة وإنّما ستبقى مع بقاء الصعوبات الحياتية، هذا ما تقوله الطبيبة آلان مطر، اختصاصية الطب النفسي واضطرابات المزاج (الاكتئاب والقلق) لـ»الديار». استناداً إلى عملها في عيادة خاصة، تشير مطر إلى زيادة في أعداد من يواجهون صعوبات نفسية، كالكآبة والقلق وغيرهما. وبسبب صعوبة الأحوال المعيشية «ثمة زيادة في عدد الاستشارات على مواقع التواصل الاجتماعي. إذ أن البعض لا يملك المال لزيارة العيادة لذلك بتنا نردّ على استشارات افتراضية». صحيح أن ما يجري يدعو للاكتئاب بحسب مطر، الا أن «الأزمة الأشدّ هي أننا لا نستطيع إخراج بعض المرضى من تلك الأدوية ونستمرّ في إعطائهم إياها بسبب تأزّم حالتهم مع الأوضاع، كما نضطر لإعطاء أدوية أيضاً لأشخاص جدد». علماً أن وزير الصحة السابق جميل جبق أكّد في أواخر العام الماضي أن «30% من اللبنانيين يتعاطون أدوية أعصاب بشكل دائم و30% آخرين يتعاطونها بشكلٍ مؤقت». المؤكّد اليوم أن الأوضاع لم تتغيّر. ما تغيّر، على الأرجح، هو الرقم الذي صار أكبر.

} العنف الاسري }

وبحسب المحللة النفسية ستيفاني غانم، «شهد لبنان فيضاً من المشاكل التي انعكست على الصحة النفسية للمواطنين والمقيمين. فهذه السنة كانت استثنائية بكل المعايير، وكانت وطأتها شديدة على الصحة النفسية». وأكدت غانم «للديار» أنه «بات شائعاً وصف العقاقير الطبية للمرضى من أجل مساعدتهم على تجاوز مشاكلهم». وميّزت بين «عوامل ذاتية، وأخرى موضوعية تؤدي إلى مشاكل الخوف والقلق والعدوانية لدى الأفراد وداخل الجماعات. فمن ناحية أولى، فإن بعض الأشخاص يمرون بتجارب مختلفة، تؤدي إلى خلق مشاكل نفسية لديهم، وتجعلهم عرضةً لطلب علاجات دوائية للتعايش مع مشاكلهم، ومن ناحية أخرى فإن أحداثاً كبرى تعرض لها المواطن اللبناني، جعلته عرضةً للاكتئاب والقلق الوجودي، بدءاً بالأزمة السياسية والفساد المستشري، مروراً بأزمة فقدان القدرة الشرائية، وصولاً إلى فترة الحجر المنزلي والتعليم عن بُعد التي زادت من مستويات العنف والمشاكل داخل الخلية الزوجية».

وفي موازاة حالات الاكتئاب والاضطراب، ازدادت مستويات العنف الأسري والزوجي، وبحسب غانم، فإن «الفترة الماضية شهدت تزايداً في العُنف ضد الزوجات والأزواج الذكور أيضاً، وأخذ هذا العنف أشكالاً متعددة من الجسدي إلى اللفظي، والترهيب المعنوي».

وشرحت غانم أن مستوى التكيّف مع الواقع المستجد، ومقاومته، يتفاوت على ضوء البنية النفسية للأفراد والدعامات التي يمتلكونها، لذلك كان بديهياً وصف الأدوية للمرضى. ولاحظ الأطباء النفسيون ازدياد مستوى «الأمراض الموهومة»، التي أوضحت غانم أنها عبارة عن خوف الأفراد المستمر من الإصابة ببعض الأمراض، وتحديداً فيروس كورونا، ما يجعلهم يعانون من أعراض المرض كاملةً لشدة الضغط النفسي وحالة التوتر والاكتئاب الذي يعيشونه، لكنه حين يتوجه المريض لإجراء الفحص الطبي يكتشف أنه غير مُصاب وأنه كان «يتوهم» ذلك.

في المحصلة، تحول تعاطي الأدوية المهدئة إلى نمط حياة في لبنان. فالمواطن الذي حرم من كل متع الحياة، لم يبق له إلا حبوب مهدئة، تعطيه أملاً لحظياً كاذباً بـ»غدٍ أفضل».